ما سر صمود ثلاث مناطق في شمال دارفور أمام الدعـ،،ـم السـ،،ـريـ،،ـع؟

سودافاكس ـ على تخوم الحدود السودانية التشادية، تبرز ثلاث مناطق نائية في شمال دارفور، هي الطينة وكرنوي وأمبرو، مسرحًا لصراع يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. فبينما تواصل قوات الدعم السريع هجماتها المكثفة، تصطدم هناك بجدار منيع من المقاومة المحلية المدعومة بجغرافيا صعبة ونسيج اجتماعي متماسك.
في هذه المناطق، لا تُقاس السيطرة بعدد الآليات أو كثافة النيران، بل بمدى تماسك المجتمع المحلي وخبرة مقاتليه في التضاريس الوعرة. ووفقا لشهادات ميدانية وتقارير مستقلة، تُتهم قوات الدعم السريع باتباع سياسة ممنهجة للتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية، عبر استهداف المدنيين وتدمير البنية التحتية.
لكن المقاومة الشعبية التي تصف معركتها بأنها “معركة وجود”، تزداد صلابة مع كل هجوم جديد. وتحولت هذه المناطق من مجرد نقاط جغرافية إلى رموز لصمود مجتمعي، تضع القوة العسكرية أمام اختبار حقيقي لشرعيتها وقدرتها على البقاء.
في هذا السياق، تحاول الجزيرة نت الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما الذي يجعل هذه المناطق عصية على السيطرة؟ من يقاتل فيها؟ ما طبيعة المجتمع المحلي؟ وما مستقبل الصراع في هذه البقعة الحدودية المتوترة؟
أين تقع هذه المناطق وما أهميتها الإستراتيجية والتاريخية؟
تقع الطينة وكرنوي وأمبرو في أقصى شمال غرب دارفور على بعد نحو 340 كيلومترا من مدينة الفاشر، بمحاذاة الحدود التشادية. وتُعد من آخر المناطق التي لا تزال تحت سيطرة الجيش السوداني والمجموعات المسلحة المتحالفة معه.
و تكمن أهميتها في عدة عوامل:
إرثها التاريخي والنضالي، إذ أنجبت شخصيات بارزة مثل خليل إبراهيم، وجبريل إبراهيم، ومني أركو مناوي، وشريف حرير، ونهار عثمان نهارـ بشارة دوسة، وغيرهم.
قربها من الحدود التشادية، مما يجعلها نقطة عبور حيوية للإمدادات و ملاذا للنازحين.
طبيعتها الجغرافية الوعرة التي تمنحها ميزة دفاعية يصعب تجاوزها.
موقعها الحدودي الذي يتيح لها بعدا لوجستيا في أي مواجهة عسكرية ممتدة.
نازحون يستقلون عربة تجرها الحيوانات، عقب هجمات قوات الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور، السودان، 15 أبريل/نيسان 2025.
نازحون فارون عقب هجمات قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في بلدة طويلة بولاية شمال دارفور (رويترز)
من يسكنون هذه المناطق وما طبيعة حياتهم؟
يقطن هذه المناطق أبناء قبيلة الزغاوة ذات الامتداد الاجتماعي والجغرافي العابر للحدود مع تشاد. ويُعرف عنهم ارتباطهم التاريخي بالمقاومة المسلحة، وولاؤهم التقليدي للجيش السوداني والحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
و رغم هذا الإرث النضالي، تعاني هذه المجتمعات من غياب شبه تام للخدمات الأساسية، حيث تُبنى المساكن من القش، وتفتقر القرى إلى المدارس والمرافق الصحية، مما جعل السكان أكثر التصاقا بأرضهم و أكثر استعدادا للدفاع عنها.
من يسيطر على هذه المناطق الآن؟
تخضع الطينة وكرنوي وأمبرو لسيطرة مجموعات مسلحة محلية موالية للجيش السوداني، تضم:
وحدات من المقاومة الشعبية المحلية.
عناصر من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا.
دعم محدود من الشرطة والقوات النظامية.
ولغياب قواعد رسمية للجيش في بعض هذه المناطق، فإن السيطرة الفعلية على الأرض تعود للمقاومة الشعبية، التي تتلقى دعما واسعا من المجتمع المحلي.
كيف جرت المواجهات الأخيرة؟
في ديسمبر/كانون الأول 2025، شنت قوات الدعم السريع هجوما بريا واسعا على هذه المناطق ضمن حملتها للسيطرة على شمال دارفور. لكن الهجوم قوبل بمقاومة شرسة أسفرت عن:
مقتل أكثر من 200 شخص.
فقدان نحو 150 آخرين.
نزوح آلاف المدنيين إلى شرق تشاد والأودية القريبة.
وقال أبو بكر أحمد إمام، المتحدث باسم المقاومة الشعبية الموجود حاليا هناك، للجزيرة نت إن الهجوم على هذه المناطق لم يكن لأهداف عسكرية، بل كان يهدف إلى تفريغها من سكانها الأصليين، في إطار سياسة ممنهجة للتهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية. وأضاف “المعركة بالنسبة لنا ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وجود وهوية وكرامة”.
ما موقف السكان من أطراف الصراع؟
يميل الولاء الشعبي في هذه المناطق لصالح الجيش والمقاومة الشعبية، نتيجة تجارب سابقة مع قوات الدعم السريع، التي يتهمها السكان بارتكاب انتهاكات واسعة في مناطق أخرى من دارفور.
وقد ساعد النسيج الاجتماعي المتماسك في تنظيم المقاومة وتوفير الدعم اللوجستي، في حين تواجه قوات الدعم السريع صعوبة في كسب الحاضنة الشعبية، مما يحدّ من قدرتها على التمركز حتى في حال تحقيق تقدم ميداني.
كيف أثرت المواجهات في المدنيين؟
الوضع الإنساني في هذه المناطق بالغ التدهور، حيث نزح آلاف المدنيين إلى شرق تشاد أو إلى الأودية والغابات المحيطة، هربا من القصف والمعارك.
و قال مصطفى بره، وهو ناشط متطوع يعمل في مجال الإغاثة، للجزيرة نت إن قوات الدعم السريع أجبرت سكان أمبرو على الفرار إلى الأودية والمناطق المفتوحة، مما تسبب في أزمة إنسانية حادة. وأضاف أن مخيمات اللجوء في شرق تشاد تستقبل يوميا عشرات الفارين، بعضهم يصل سيرا على الأقدام، وآخرون على ظهور الحمير، “في مشهد يعكس حجم المأساة”.
وقد دُمرت مستشفيات كرنوي وأمبرو كليًّا، وتفاقمت معاناة السكان في ظل غياب المساعدات الإنسانية وانعدام الخدمات الأساسية.
ما العوامل التي ساعدت على صمود هذه المناطق؟
الطبيعة الجغرافية الوعرة التي تعيق تحركات القوات المهاجمة.
خبرة المجتمعات المحلية في القتال والتعامل مع التضاريس.
الدعم الشعبي الواسع للمقاومة.
الامتداد الحدودي مع تشاد الذي يتيح هامشا للحركة والإمداد، ويصعّب فرض الحصار.
فقد جعلت هذه العوامل مجتمعة من الطينة وكرنوي وأمبرو “حصونا طبيعية” يصعب اقتحامها، رغم التفوق العددي والتسليحي لقوات الدعم السريع.
ما مستقبل الحرب في هذه المناطق؟
يرى مراقبون أن السيطرة على هذه المناطق لا تزال بعيدة المنال، وأن استمرار المقاومة يعكس حدود القوة العسكرية للدعم السريع. كما أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستتأثر بمآلات الصراع في هذه المناطق، التي أصبحت تمثل رموزا للممانعة المحلية.
و يحذر محللون من أن استمرار المعارك قد يؤدي إلى تدويل الأزمة، خاصة في ظل النزوح المتزايد إلى تشاد، والضغط المتصاعد على المناطق الحدودية.
هل للصراع أبعاد إقليمية؟
يقول الدكتور عبد الناصر سلم حامد، مدير برنامج شرق أفريقيا و السودان بمركز فوكس للأبحاث، للجزيرة نت إن صمود الطينة وكرنوي و أمبرو يعكس تحوّل الحرب في دارفور من معركة للسيطرة على المدن إلى صراع أعمق على القبول المجتمعي، وأوضح أن هذه المناطق واجهت الدعم السريع بتماسك اجتماعي وجغرافيا معقدة وخبرة قتالية محلية، مما كشف حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن الحاضنة الشعبية.
و حذر من أن موقعها الحدودي مع تشاد يمنحها هامش حركة، ويصعّب فرض الحصار، مما يجعل أي تصعيد عسكري واسع ذا تداعيات إقليمية محتملة، خاصة مع استمرار موجات النزوح.
ما دلالة صمود هذه المناطق في السياق الأوسع للحرب؟
تكشف المعارك في الطينة وكرنوي وأمبرو أن الحرب في دارفور لم تعد مجرد مواجهة بين جيش نظامي وقوة شبه عسكرية، بل تحولت إلى صراع مركب تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والقبلية والسياسية والإنسانية:
المقاومة المجتمعية تعني أن أي حسم عسكري لن يكون كافيا دون توافق سياسي ومجتمعي.
الانقسام الجغرافي والسياسي قد يكرس واقعا من التقسيم، ما لم يتم التوصل إلى تسوية شاملة.
وبينما تتواصل المواجهات، تبقى هذه المناطق رموزا لصمود محلي، ومؤشرا على تعقيدات الصراع السوداني، حيث يظل المدنيون الضحايا الأوائل في المعركة.
المصدر: الجزيرة



