بقلم : أبو عبيدة أحمد سعيد
سودافاكس – يشهد النظام المالي العالمي اليوم تحوّلات هادئة لكنها عميقة. لعقود، كانت الولايات المتحدة تتحكم في التجارة العالمية من خلال الدولار كعملة احتكار ونظام SWIFT للتحويلات البنكية، بالإضافة إلى سلطة فرض العقوبات عبر البنوك الأمريكية. هذا النظام منح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في سياسات الدول، وجعل الدولار أداة قوة سياسية واقتصادية غير مسبوقة.
لكن دول BRICS – الصين، روسيا، الهند، البرازيل، وجنوب أفريقيا – بدأت تسلك طريقًا مختلفًا، محاولةً استعادة سيادتها المالية وتقليل اعتمادها على النظام الأمريكي. كان الهدف واضحًا منذ البداية: التجارة بين هذه الدول يجب أن تتم دون المرور بالدولار، ودون الحاجة لموافقة أمريكية، ودون الاعتماد على SWIFT.
لتنفيذ هذا الهدف، بدأت الدول الأعضاء في تطوير نظام المقاصة بالعملات المحلية. على سبيل المثال، يمكن للبرازيل أن تدفع بالريال مقابل الحصول على اليوان من الصين، مع تسوية الحسابات دوريًا بين البنوك المركزية، وإعادة استثمار الفوائض في مشاريع محلية أو سلع استراتيجية.
في الوقت ذاته، عملت BRICS على بناء أنظمة بديلة لسويفت. الصين لديها نظام CIPS، روسيا تعتمد SPFS، الهند تستخدم SFMS، وجنوب أفريقيا تعمل على تطوير نظام خاص بها. هذه الشبكات ليست مجرد بدائل، بل شبكة مترابطة تسمح بمرور الأموال مباشرة بين البنوك دون المرور بأوروبا أو أمريكا، مما يمنح كل دولة مزيدًا من التحكم والسيادة في مواردها المالية.
إضافة لذلك، أسس أعضاء BRICS بنك التنمية الجديد سنة 2014 New Development Bank (NDB) ، ليكون أداة تمويل للمشاريع بالعملات المحلية، بعيدًا عن أي قيود أمريكية، وبدون الحاجة لموافقة صندوق النقد الدولي. من خلال هذا البنك، يمكن تمويل مشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة مباشرة، مما يعزز استقلالية الدول الأعضاء ويقلل من تأثير الدولار كوسيط إجباري.
دخول البرازيل كان لحظة فارقة. فهي ليست دولة عادية، بل اقتصاد عالمي متنوع، قوة زراعية ومعدنية، وشريك تجاري مهم للصين. وجودها ضمن هذه الشبكة منح النظام الجديد شرعية اقتصادية عالمية، وحوّله من مجرد فكرة سياسية إلى قوة فعلية قادرة على التأثير في التجارة الدولية. عبر البرازيل أصبح بالإمكان تسوية الصادرات والواردات بالعملات المحلية، وفتح حسابات مقاصة مباشرة بين البنوك، وتقليل الاعتماد على الدولار في القطاعات الزراعية والصناعية.
هذه التحولات لم تقتصر على الأرقام والسياسات، بل بدأت تظهر آثارها عمليًا على الدول التي لا تمتلك أنظمة مقاصة مستقلة. تلك الدول تواجه صعوبات في التحويلات، ضعف القدرة على تمويل المستوردات، نقص السلع، تضخمًا متزايدًا، وتدهور قيمة عملتها، ما يجعلها هشّة أمام القرارات الاقتصادية الدولية. أما الدول التي تعتمد نظام BRICS للمقاصة فهي تتمتع بحماية أكبر، وتستعيد تدريجيًا سيادتها المالية، وتستطيع إدارة ميزانها التجاري والسيطرة على تحركات أموالها بشكل مستقل.
الدولار، الذي كان رمزًا للهيمنة المالية لعقود، لم يسقط فجأة، لكنه بدأ يتحول من عملة احتكار إلزامية إلى خيار من بين عدة عملات. الطلب العالمي عليه بدأ يتراجع تدريجيًا، وبذلك تقل تدريجيًا قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات المالية كأداة ضغط، فيما تنشأ تدريجيًا شبكة مالية متعددة المراكز تقودها دول BRICS، وتعيد رسم موازين القوة الاقتصادية العالمية بشكل أكثر توازنًا وتنوعًا.
كسرة
يمكن للسودان أن يستفيد من التعامل المباشر باليوان الصيني والجنيه السوداني لتقليل الضغط على الدولار، والعمل على زيادة الصادرات إلى الصين، مما يساهم في وقف تدهور قيمة الجنيه وتعزيز السيادة المالية، ويفتح أفقًا أوسع للتجارة والاستثمار بعيدًا عن قيود النظام المالي العالمي، ويحوّل عجز الميزان التجاري من تهديد إلى فرصة استراتيجية حقيقية.
