جريمة عارف–الفيحاء: كيف بيعت سودانير على مراحل؟

جريمة عارف–الفيحاء: كيف بيعت سودانير على مراحل؟

كتب:إبراهيم عدلان

“مقال توثيقي مدعوم بجدول زمني”

تمهيد

حين يُكتب تاريخ سودانير في خواتيم القرن العشرين وبدايات الألفية، ستبرز صفقة عارف–الفيحاء بوصفها أخطر منعطف في مسيرة الناقل الوطني. لم تكن شراكة إنقاذ، بل عملية تفكيك بطيئة جرت تحت عناوين الاستثمار والتحديث، وانتهت إلى إهدار أصول سيادية، وفي مقدمتها خط لندن–هيثرو، دون مساءلة أو استرداد.

هذا المقال لا يهدف إلى التشهير، بل إلى التوثيق التاريخي، وربط الوقائع بسياقها السياسي والاقتصادي، وطرح الأسئلة التي لم يُسمح لها أن تُطرح في وقتها.

أولًا: السياق العام — دولة بلا عقل مؤسسي

جاءت الصفقة في ظل:
• دولة مركزها السياسي طاغٍ على القرار الاقتصادي.
• غياب الفصل بين الملكية والإدارة.
• ضعف الأجهزة الرقابية.
• توظيف الاقتصاد لخدمة التحالفات السياسية.

في هذا المناخ، أصبحت سودانير أصلًا قابلاً للمقايضة السياسية لا مؤسسة استراتيجية تُدار بمعايير مهنية.

ثانيًا: هندسة الاستحواذ — الأغلبية المقنّعة

تم الاستحواذ على 70% من أسهم سودانير عبر صيغة محسوبة:
• 49% لمجموعة عارف
• 21% لمجموعة الفيحاء للاستثمار

هذه القسمة جنّبت الصفقة الظهور كسيطرة أجنبية مباشرة، لكنها منحت الشركاء السيطرة الفعلية على القرار الاستراتيجي، دون ضخ رأسمال يعادل حجم النفوذ المكتسب. وهكذا تحوّلت الدولة إلى شريك صوري.

ثالثًا: من هي مجموعة الفيحاء؟ ولماذا كانت ضرورية؟

مجموعة الفيحاء للاستثمار كيان سوداني محدود الخبرة في تشغيل الطيران التجاري، لم تُعرف عنه إدارة أساطيل أو شبكات جوية. دورها في الصفقة لم يكن تشغيليًا، بل تكميليًا:
• استكمال نسبة السيطرة.
• توفير غطاء محلي.
• تسهيل التمرير السياسي.

الفيحاء والظهير السياسي

في سياق تلك المرحلة، كانت الفيحاء تُوصَف – في الأوساط الاقتصادية والسياسية – بأنها ذات صلات وثيقة بحزب المؤتمر الوطني وذراعه التنظيمي الحركة الإسلامية، مع شبكات علاقات إقليمية .وإيراد هذا السياق لا يُقصد به الاتهام، بل تفسير الحماية السياسية التي أحاطت بالصفقة، وغياب المساءلة رغم فشلها.

رابعًا: وعود بلا مقابل — أسطول لم يصل

سُوّقت الشراكة على أساس:
• إدخال طائرات حديثة.
• تحديث الأسطول المتهالك.
• فتح وجهات جديدة.
• نقل خبرة تشغيلية عالمية.

الواقع جاء معاكسًا:
• لا طائرات جديدة.
• لا توسّع شبكي.
• تآكل الموجود.
• دخول سودانير في دوامة الإيجارات قصيرة الأجل، بما فيها تجارب فاشلة لاحقة.

خامسًا: الشريف بدر — العرّاب الراحل

لعب الراحل الشريف بدر دور العرّاب والواجهة المطمئنة للفيحاء. كان حضوره سياسيًا–اجتماعيًا أكثر منه تشغيليًا. لم يكن مديرًا للأسطول ولا حاميًا للأصول، بل ضامن عبور. وبغيابه، تلاشى الغطاء وبقيت النتائج الثقيلة.

سادسًا: الإدارة الهندية وكابتن علي دايتشي

أُسندت الإدارة التنفيذية إلى إدارة هندية، مع بروز اسم كابتن علي دايتشي.
المحصلة:
• قرارات قصيرة الأجل.
• إدارة مالية بلا رؤية شبكة.
• تهميش الكفاءات الوطنية.
• غياب مشروع ناقل وطني متكامل.

سابعًا: خط هيثرو — ذروة الجريمة

لندن–هيثرو لم يكن مجرد خط، بل وسام سيادي وقيمة سوقية عالية.

ما الذي جرى؟
• تمرير تشغيل مشترك مع BMI.
• استغلال الخط التاريخي لـ BMI.
• حضور مايكل بيشوب لإضفاء الشرعية.
• إخراج إعلامي احتفالي (روتانا).

النتيجة العملية:
خروج خط هيثرو من يد سودانير دون مقابل يعكس قيمته، تحت غطاء شراكة شكلية.
ثامنًا: جدول زمني — تفكيك على مراحل

1998
المقاطعة الغربية
بداية خنق سودانير تشغيليًا
2005–2006
التمهيد للشراكة
تسويق «الإنقاذ بالاستثمار»
2007
صفقة عارف–الفيحاء
استحواذ 70% بأغلبية مقنّعة
2007–2008
إدارة أجنبية
قرارات قصيرة النظر
2008
وعود الأسطول
لم يُنفذ شيء
2008–2009
صفقة هيثرو
تمرير عبر تشغيل مشترك
2010
تراجع الشبكة
دخول دوامة الإيجارات
ما بعد 2010
صمت ومساءلة غائبة
لا محاكمات ولا استرداد

خاتمة: أسئلة بلا إجابة
• هل فُتحت بلاغات؟ لا
• هل استُعيد خط هيثرو؟ لا
• هل استُردّت عوائد بيعه؟ غير معلوم
• من يتحمل المسؤولية؟ شركاء، وسطاء، وجهات صادقت، ورقابة غابت

كلمة أخيرة

جريمة عارف–الفيحاء ليست صفحة سوداء في تاريخ شركة فحسب، بل درس قاسٍ في كيف تُدار – أو تُهدر – الأصول السيادية حين يغيب العقل المؤسسي وتحضر السياسة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.