سودانير بين الواقع الفني وسهولة التبرير

سودافاكس – أثار الجدل المتجدد حول أوضاع الناقل الوطني سودانير نقاشاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والمتخصصة، خاصة فيما يتعلق بسياسة الأجواء المفتوحة والرسوم السيادية، وهو ما استدعى توضيح عدد من المفاهيم التي شابها خلط أو تفسير غير دقيق، دون أن ينتقص ذلك من الإجماع العام على ضرورة إصلاح الشركة والنهوض بها باعتبارها رمزاً وطنياً له مكانته في وجدان السودانيين.

سودانير ليست ناقلاً وطنياً فحسب، بل هي راية ترفرف في السماء لتقول إن السودان حاضر

ورغم تباين الآراء، إلا أن القاسم المشترك بين مختلف الطروحات ظل منصباً على مصلحة سودانير، وضرورة الحفاظ على دورها التاريخي، بعيداً عن التبريرات الجاهزة التي لا تعالج جذور الأزمة.

سياسة الأجواء المفتوحة.. المفهوم والتطبيق في السودان

ظل مصطلح سياسة الأجواء المفتوحة حاضراً في معظم النقاشات المرتبطة بتعثر النواقل الوطنية، غير أن استخدامه كثيراً ما جاء بصورة غير دقيقة. فما طُبّق في السودان لم يكن سياسة أجواء مفتوحة بالمعنى المتعارف عليه دولياً، وإنما تحرير محدود للاتفاقيات الثنائية اقتصر على الحريتين الثالثة والرابعة.
هذا التحرير، رغم محدوديته، أتاح للنواقل الوطنية فرصاً تشغيلية واسعة من حيث عدد الرحلات والركاب وتعدد النقاط، مقارنة بالقيود السابقة. أما سياسة الأجواء المفتوحة الكاملة، فهي تشمل منح الحريات الجوية المتقدمة حتى الحرية التاسعة، وتحرير السعة والتسعير وتقليص التدخل الحكومي، وهو ما لم يُطبق في السودان.
وعلى المستوى الأفريقي، شكّل اتفاق ياموسوكرو التزاماً سيادياً وقّعت عليه الدولة السودانية، ورغم ذلك انتهجت سلطة الطيران المدني سياسات مهنية متحفظة هدفت إلى حماية النواقل الوطنية، عبر الحد من منح بعض الحريات الجوية، وهو ما ينفي مزاعم ترك القطاع الجوي دون حماية.

الرسوم السيادية وسودانير.. بين الواقع والتنظيم

أما ما يُثار حول الرسوم السيادية أو حق الامتياز (Royalty)، فيعود إلى أنظمة كانت سائدة في مرحلة تاريخية سابقة، حين كان هناك ناقل وطني واحد واتفاقيات مقيدة بالسعة والتشغيل. ومع تطور صناعة النقل الجوي، تطورت هذه الأنظمة عالمياً، ولم يكن السودان استثناءً.
اليوم لا يوجد امتياز حصري لأي ناقل، وتُفرض الرسوم في حالات محددة، ووفق تشريعات واضحة، وتؤول إلى خزينة الدولة ممثلة في وزارة المالية، وليس إلى شركات تجارية. وغالباً ما تقتصر هذه الرسوم على نقل البضائع بواسطة شركات لا تملك حق التشغيل على خطوط معينة، بعد التأكد من عدم قدرة الشركات الوطنية على تنفيذ النقل، لأسباب فنية أو تشغيلية.
وفي المقابل، أثبتت بعض الشركات الوطنية ذات الطابع الاقتصادي نجاحها ضمن نفس البيئة التنظيمية، من خلال إدارة رشيدة، وضبط التكاليف، واختيار الأسطول المناسب، ما يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في السياسات بقدر ما يرتبط بالإدارة والرؤية والقدرة على التكيف مع السوق.
ويؤكد مختصون أن إنقاذ سودانير يتطلب مقاربة واقعية تقوم على:

توفير دعم مالي عاجل ومدروس.تنفيذ إصلاح إداري وتشغيلي حقيقي.وضع رؤية تجارية واقعية تتناسب مع معطيات السوق.
ويظل وجود ناقل وطني قوي استثماراً استراتيجياً يعزز السيادة الاقتصادية، ويدعم الناتج القومي، ويخلق فرص عمل، ويسهم في التنمية الشاملة. فعودة سودانير إلى السماء ليست مجرد حنين للماضي، بل ضرورة وطنية تفرضها اعتبارات الاقتصاد والسيادة وبناء الدولة الحديثة.

Exit mobile version