جدلية عمليات أمن الطيران والسلطة.. قراءة قانونية في السيادة والفصل المؤسسي

محي الدين رأفت يكتب..
جدلية عمليات أمن الطيران والسلطة.. قراءة قانونية في السيادة والفصل المؤسسي
توطئة:-
فى البدء أود الإشارة إلى أننى حاولت أن أجد مسمى آخر لهذا المقال ولكنى لم أوفق فقد فرض الواقع نفسه.
ما زال الحديث حول تبعية أمن الطيران للسلطة يلقى بظلاله على الساحة وما تناول أستاذ سامى الأمين للأمر وهو العارف بالقوانين بحكم وظيفته وإن برر ما ذهب إليه بالرأى الشخصى … و أنه لا يُعَبْر عن رأى المؤسسة التى ينتمى إليها.
وأظن صادقاً وليس من باب التكرار لإستخدام المفردات بأن ليس كل بعض الظن إثم ، ولكن من باب التأكيد للقصد والمراد أن كل ما يُكْتَبْ بصفة شخصية يستمد سنده ومرجعيته من المؤسسة وأن كل ما يكتب بإسم المؤسسة يتضمن الرأى الشخصى للكاتب لا جدال فى ذلك البته.
من هذا المنطلق سوف أحاول أن اخلق نوع من الحوار من وجهة نظرى بينى وبين كاتب المقال ، وهو أمر إفتراضى لا يتبع أسلوب السؤال والإجابة المباشرة إنما التقاط الكرات المرسلة أو الساقطة وإعادة توجيهها إن صح التعبير.
“1”
لا يختلف إثنان أن المادة الأولى من إتفاقية شيكاغو الموقعة فى اليوم السابع من شهر ديسمبر سنة 1944 المُنَظِمة لعمل الطيران المدنى على مستوى العالم تتناول بوضوح لا لبس فيه أمر سيادة الدول المتعاقدة على فضاءها الجوى الذى يعلو أراضيها وحدودها الجغرافية ولا بأس أن نورد النص من مصدره تحت عنوان السيادة[ تعترف الدول المتعاقدة بأن لكل دولة السيادة الكاملة والمطلقة على الفضاء الجوى الذى يعلو إقليمها].
ثم جاءت المادة الثانية من الإتفاقيه لتصف لنا كُنْه وشكل الإقليم و دُبِجَتْ بعنوان الإقليم والذى بينت فيه حدوده الجغرافية والتى شملت الأرض اليابسة والمياه الإقليمية المتاخمة لها والتى تقع تحت الفضاء الجوى للدولة و نصها [يُقصد بالإقليم لأغراض هذه الإتفاقية ، الأراضى الخاضعة للسيادة أو الولاية أو الإنتداب لدولة ما ، والمياه الإقليمية المتاخمة لها] وهى أصلاً. مادة مكملة لما ورد فى المادة الأولى ومؤكدة للربط بين السيادة المُطلقة على الفضاء الجوى وما يقع تحتها من أراضى و مياه إقليمية لتأكيد شمول السيادة على كل ما يوجد تحت الفضاء الجوى.
ولو ذهبنا لتفسير النصوص نجد أنها تؤكد حق الدوله فى السيطرة الكاملة على مجالها الجوى وما يقع تحته من أراضى باليابسه وإمتدادها داخل المياه الإقليمية فالنطلق عليها مجازاً “البحرية” والمادتان متعلقتان تماماً بالطيران سواءً الدخول أو العبور أو الهبوط ولا يتم ذلك ولا يتاح إلَّا بإذن وموافقة الدولة…
وبالتالى لا مجال لإيراد أى تفسير آخر مهما تمت المحاولة أو بلغ الجهد ولا أعتقد أن لهما صلة أو علاقة بشكل وتنظيم وهيكلة الطيران المدنى فى الدولة ، إنما تركزان على حدود السيادة الجوية للدولة وعلاقتها بالطيران الدولى وسيطرتها عليه.
بناءً على ما تقدم فإن أى تفسير للمادتين سواءً تمت قراءتهما منفردتين أو مع مواد أخرى بخلاف ما ذكر بشأن السيادة على الفضاء الجوى للدولة و إقليمها المُشتمل على اليابسة والمياه المتاخمة للأرض غير صحيح و لايمت للحقيقة بصلة.
نقطه سطر جديد.
“2”
أشار كاتب المقال لوجود علاقة رابطة بين المادة الأولى من إتفاقية شيكاغو 1944 والمادتين السابعة والثلاثون (37) والثامنة والثلاثون (38)منها وبين أن المادة الأولى تمنح الطيران المدنى الحق فى إدارة شؤون الطيران او نحو ذلك وقد عدد تلك الشؤون وأن المواد (37 و 38) تتقاطعان مع هذا الحق ….
وبالرغم من أن المادة الأولى لا صلة لها ولا علاقة بالهيكل التنظيمى وفق التكييف القانونى للمادة وهى تتناول أمر السيادة ، فقد جاءت محاولة ربطها بالمادتين والتى تولى شرحهما وبيان طبيعتهما الكاتب فالمادة (37) تتناول أمر صدور القواعد القياسية[ Standards ] وأساليب العمل الموصى بها Recommended Practices التى تتضمنها الملاحق Annexes والمادة (38) تتحدث عن وجب قيام الدول المتعاقدة بالإبلاغ عن الإختلافات حال رأت الدولة عدم تطبيق القاعدة القياسية…الخ.
هاتان المادتان ومن خلال النصوص والتفسير الذى ذهب إليه الكاتب ، لا صلة لهما ولا علاقة بالمادة الأولى من الإتفاقية لا من قريب أو من بعيد مهما جرت محاولات للربط بينهم. فهاتين المادتين يدور محورهما فى مضمون وثائق المنظمة التى تصدر بموجب الإتفاقية والتى تُعْنى بشئون الطيران المدنى الفنية بداءً من الملحق الأول التراخيص
Licence Annex 1
إنتهاءً بالملحق التاسع عشر إدارة السلامة
Safety management Annex nineteen
وبالتالى لا صلة لهما أو علاقة بأمر التنظيم الهيكلى أو الفصل بين السلطات.
كما أنه من المؤكد أن الفصل وإن كان من مطلوبات المنظمة إلَّا أنه لم يرد كقاعدة قياسية ملزمة التنفيذ من قبل الدول المتعاقدة حتى يشار لها فى نتائج التدقيقات كمنقصة أو قصور أو مخالفة تتطلب الإغلاق كما يدعى البعض.
“3”
حثت منظمة الطيران المدنى الدولى (الإيكاو) الدول المتعاقدة على تطبيق إجراءات الفصل (مثبته) إلَّا أنه لم تقرر شكل وكيفية تنفيذ هذا الفصل و ما إذا كان فصلاً مادياً كاملاً [(فصل أجسام)] أم فصلاً إجرائياً بين المسؤوليات والإختصاصات [(فصل مهام)] داخل ذات التنظيم.
حيث تركت الأمر للدول لتختار ما يتوافق معاها وفق قوانينها وقدراتها وإمكاناتها شريطة أن يحقق الإجراء الذى يتم إتخاذه الهدف المقصود والغرض المراد من الفصل.
“4”
تناول الكاتب بيان أن المنظمة قد طلبت تحقيق الفصل فى التدقيق الدولى الذى تم فى العام 2005 ، لكن الثابت أن مخرجات أو نتيجة التدقيق والتى إطلعنا عليها فى تلك الفترة لم تتضمن أى شئ من هذا القبيل سوا فى شكل مخالفة Finding أو توصية Recommendation
أو ملاحظة Observation أو أى شئ من هذا القبيل.
بل حسب ما نذكر كانت النتيجة توصى بسد النقص فى المواد القانونية ذات الصلة بأمن الطيران الواردة فى قانون الطيران المدنى 1999 لتقويتها وإكمال النقص فيها بالإضافة للمخالفات والجرائم والعقوبات وهذا ما تم القيام به بالفعل مِنْ قِبَلْ إدارة أمن الطيران ليخرج قانون سلامة الطيران المدنى السودانى 2010 المُحْتَوى على المُخالفات والجرائم والعقوبات والخالى تماماً من مواد أمن الطيران التى تمت إضافتها لسد الفراغ التشريعى بل تم إسقاط المواد التى كان متصوص عليها فى قانون الطيران المدنى السودانى 1999… هذا كما أن نتيجة التدقيق الشامل لأمن الطيران 2012 أيضاً لم تتحدث عن الفصل.
أما نتيجة التدقيق الآخير 2023 والذى تم فى ظل وجود عمليات أمن الطيران داخل سلطة الطيران المدنى بجانب الادارة الرقابية
وحسب علمنا كانت تطلب من السلطة تقديم ما يفيد بعدم وجود تعارض أو تقاطعات بين الشق الرقابى لأمن الطيران والشق التشغيلى أو يؤكد عدم وجوده ، ولم تطلب صراحةً إجراء الفصل.
“5”
تناول الكاتب مسألة تبعية الملاحة الجوية للسلطة فى ظل وجود جسم رقابى لها داخلها وقد برر ذلك بقراءة نص المادة (6) من قانون سلطة الطيران المدنى لسنة 2018 وربطها مع المادة (71) من قانون سلامة الطيران وذلك فى محاولة منه للإجابة على سؤال أفترضه.. فحواه لماذا الملاحة داخل السلطة وأمن الطيران خارجها؟ .. كأنما يرى الكاتب أن مبرر وجود خدمات الملاحة الجوية داخل السلطة مسنود بالقانون وهو ما لم يتوفر لأمن الطيران .
نقول لو نظر الكاتب لنص المادة (6) من قانون السلطة و أمعن التدقيق فى فقراتها لوجد العجب العجاب فيما يتعلق بأحقية وجود عمليات أمن الطيران داخل السلطة كجسم سيادى ذو علاقة وثيقة وقوية بالأمن القومى للدولة مسنود بقرار صادر من مجلس الأمن الدولى.
وحتى لا نترك المتابع فى حيرة من أمره ويلجأ للتأويل والتفسير ، فإن الفقرات (أ) ، (ب) ، (ج) ، (د) و (ه)
كلها أو بعض منها كافٍ لتبرير وجود أمن الطيران داخل السلطة
و مما لا شك فيه أيضاً أن مبررات إستناد المدير العام الأسبق السيد إبراهيم عدلان فى ضم وتحويل عمليات أمن الطيران للسلطة بخلاف ما قدمه فى مذكرته الضافيه لمعالى السيد وزير الدفاع آنذاك نجدها تكمن فى نص الفترتين (أ) و (ه) من المادة (6) إختصاصات السلطة مقرؤة مع نص الفقرة (أ) من المادة(5) أغراض السلطة.
“6”
أما فى جزئية غياب الإختصاص عن المادة (6) فيما يتعلق بأمن الطيران و لم يضمن بوضوح وظهوره جلياً فيما يتعلق بالملاحة الجوية فى نص المادة (71) من قانون السلامة والتى تحمل عنوان الأنظمة القياسية والتى تحدثت عن تطبيق القواعد القياسية وأساليب العمل الموصى بها الصادرة من المنظمة فى هذا الشأن وإشتملت على ثلاثة فقرات أ ، ب و ج تناولت الإتصالات اللاسلكية والرموز والإشارات والخرائط والرسومات إلخ… بقراءتها مع المادة (28) من إتفاقية شيكاغو لسنة 1944.
فإن تطابق ماجاء فى القانون مع ماجاء بالإتفاقية ليس مبرراً كافياً لتكون الملاحة الجوية داخل السلطة (ويسقط حق أمن الطيران) حيث أنه من المعلوم أن العديد من مواد قانون سلامة الطيران المدنى السودانى لسنة 2010 مستمدة بالنص من مواد إتفاقية شيكاغو لسنة 1944 وكذا كان من قبله قانون الطيران المدنى السودانى لسنة 1999 وقانون الطيران السودانى المعروف بإسم Sudan air law لسنة 1960وهو القانون السودانى الأول .
وإذا رجعنا لأى قانون لتنظيم الطيران المدنى فى الدول المتعاقدة تجد أن العديد من المواد التى يشتمل عليها مستمدة من الإتفاقية وبالتالى هناك تشابه فى قوانين الدول مع إختلاف أرقام المواد.
كما نشير فى هذه النقطة أنه إذا كان تم الابقاء على المواد ذات الصلة بأمن الطيران فى قانون الطيران المدنى 1999 عند تعديله بإحلال قانون سلامة الطيران 2010 محله والذى خلى تماماً من المواد الخاصة بأمن الطيران عدا الجرائم والمخالفات لكان الوضع مختلف تماماً وفق المبرر الذى ذهب إليه الكاتب.
وأحسب أن الكاتب قد فات عليه أن أمن الطيران أصلاً قد ظهر فى الوجود مِنْ قِبَلْ المنظمة فى العام 1974 أى بعد مرور (30) ثلاثين عاماً من صدور إتفاقية شيكاغو فى 1944 وتطبيقها و التى تشكل الملاحة الجوية عمودها الفقرى.
“7”
أما عن العقبات الكثيرة التى واجهة تعديل الهيكل التنظيمى للسلطة لإستيعاب عمليات أمن الطيران وربط إنشاء الهيكل التنظيمى ليكون مسنود بإختصاص واضح فى قانونى السُلطة والسلامة نقول أن وجود الملاحة الجوية داخل السُلطة لم يكن مسنوداً على القوانين كما تفضل الكاتب ولمح لذلك ولكنه كان وفقاً لرؤية القائمين على الأمر عند تنفيذ الفصل ، كما أنه من المؤكد أن الفصل قد تم فعلياً قبل صدور قانون سُلطة الطيران المدنى لسنة 2018 بعدة سنوات.
نشير إلى أنه فى العام 2018 على ما أذكر تم إعادة هيكلة سلطة الطيران المدنى وأحسب أن الهيكل الجديد للسُلطة والذى أعد بواسطة بيت خبرة مختص كان بالمرونة بمكان ليستوعب أى تعديلات أو إضافات لإدارات جديدة أو التوسع فى الإدارات القائمة بإنشاء أقسام و وحدات جديدة وفقاً لما تمليه الضرورة وذلك لتفادي تكرارية إعادة الهيكلة التنظيمية فى كل مره تتطلبها الضرورة أو التطوير والمواكبة.
تخاريف:
نشير أن الفترة منذ إنتقال الإدارة العامة لأمن الطيران والتحويل للسلطة فى منتصف العام 2021 كانت كافية لإدماج الهيكل التنظيمى لعمليات أمن الطيران الذى كان جاهزاً بكل مطلوباته ضمن هيكل السلطة.
ولكن ؟؟؟ ؟؟ ؟
الله غالب ،،،، ،، ،
مستشار أمن طيران/
محى الدين حسن على رأفت
مدير دائرة عمليات أمن الطيران الأسبق- سلطة الطيران المدنى
السبت الموافق 31 يناير 2026



