سودانير ليست كشكاً عشوائياً… و من يعتدي عليها اعتدى على سيادة وطن

سودافاكس ـ ليست سودانير لافتة يمكن إنزالها بقرار إداري عابر، ولا مباني يمكن تسويتها بالأرض بمخاطبة فوقية، ولا معدات يمكن التصرف فيها وكأنها فائض خردة. سودانير تاريخ دولة، وهيبة علم، و ذاكرة أمة ظلت ترى في ناقلها الوطني عنواناً لسيادتها في المطارات الإقليمية والعالمية.
ما حدث من هدمٍ لمنشآت قائمة بموجب شهادات بحث رسمية باسم شركة الخطوط الجوية السودانية داخل مطار الخرطوم، يضع أكثر من علامة استفهام حول احترام القانون ومفهوم الملكية العامة. فالدولة التي تحترم نفسها لا تُدار مؤسساتها بهذه الطريقة، ولا تُعالج ملفاتها الاستراتيجية بمنشورات تعامل الناقل الوطني وكأنه كيان طارئ أو نشاط عشوائي.
سودانير ليست شركة موازية، وليست جسماً دخيلاً على مطار الخرطوم، بل هي جزء أصيل من بنيته وتاريخه وتكوينه. بل إن المطار نفسه ارتبط باسمها منذ تأسيسه. وعليه فإن أي إجراء يمس أصولها أو منشآتها يجب أن يتم وفق مسار قانوني واضح، بإخطار رسمي من جهة مخولة، وبإجراءات تحفظ الحقوق، لا عبر قرارات أحادية تفتقر للشفافية.
الأمر لا يقف عند حدود الإزالة، بل تتصاعد المخاوف مما يُتداول بشأن التصرف في بعض المعدات والآليات التابعة لإدارات الشركة. وإن صحّ شيء من ذلك، فإننا نكون أمام مسألة تتجاوز الخلاف الإداري إلى شبهة إهدار مال عام، وهو أمر لا يحتمل الصمت ولا المجاملة. المال العام ليس مباحاً، وأصول الدولة ليست غنيمة توزع في الظلام.
المؤلم أن يتم التعامل مع سودانير وكأنها الحلقة الأضعف، بينما الحقيقة أنها الناقل الوطني، وملكٌ لكل السودانيين، وليست ضيعة خاصة ولا شركة يمكن تحجيمها أو إزاحتها لإفساح المجال لغيرها. من يستهين بسودانير يستهين برمز سيادي، ومن يتعامل معها بمنطق الإقصاء يضعف صورة الدولة نفسها.
إن القضية اليوم ليست صراع نفوذ، وليست خلافاً بين إدارات، بل اختبار حقيقي لمدى التزامنا بدولة القانون. فإما أن نؤكد أن المؤسسات تُحترم، وأن الملكيات العامة تُصان، وأن الإجراءات تُتخذ وفق التشريعات المنظمة… أو نفتح الباب لفوضى إدارية تضرب ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة.
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة لإيقاف أي إجراءات محل نزاع، وفتح تحقيق قانوني شفاف ومستقل، يوضح للرأي العام ما جرى، ومن اتخذ القرار، وعلى أي سند قانوني استند، وأين ذهبت المعدات إن ثبت التصرف فيها.
كما أن على أبناء سودانير، عاملين ومعاشيين، أن يلتفوا حول مؤسستهم دفاعاً عن رمز وطني، لا بروح المواجهة، بل بروح القانون، والاحتكام للمؤسسات، والمطالبة بالحقوق عبر المسارات المشروعة.
سودانير ليست كشكاً عشوائياً…
هي جناح وطن، وذاكرة شعب، وعنوان سيادة.
و الاعتداء عليها — أيّاً كان شكله — ليس حدثاً إدارياً عابراً، بل مساسٌ بمعنى الدولة نفسها.
طيران بلدنا



