المنظومة المتكاملة لبيانات المسافرين والبيومتريك..التحول من التفتيش الحدودي إلى الاستخبارات الاستباقية في أمن الطيران

المنظومة المتكاملة لبيانات المسافرين والبيومتريك..التحول من التفتيش الحدودي إلى الاستخبارات الاستباقية في أمن الطيران
إبراهيم عدلان
يشهد أمن الطيران المدني عالمياً تحولاً جذرياً من نموذج التفتيش التقليدي القائم على فحص الوثائق عند الوصول، إلى نموذج متقدم يعتمد على تحليل البيانات المسبقة والقياسات الحيوية وربط قواعد المعلومات الدولية. ويُعد دمج النظام البيومتري داخل منظومة معلومات المسافرين المسبقة (API) حجر الزاوية في هذا التحول، إذ أصبح بالإمكان التحقق من هوية المسافر وتحليل مخاطره قبل أن يصعد إلى الطائرة، لا بعد وصوله.
ماهية منظومة API والدمج البيومتري
منظومة API هي نظام إلكتروني تنقل عبره شركات الطيران بيانات الركاب إلى سلطات الدولة قبل الإقلاع، وتشمل البيانات الأساسية مثل الاسم ورقم الجواز والجنسية ومسار الرحلة. وعند دمجها مع النظام البيومتري تُضاف عناصر التعريف الحيوي مثل بصمة الوجه أو الأصابع أو قزحية العين.
بهذا الدمج يتحول التحقق الأمني إلى معادلة دقيقة:
بيانات الوثيقة + البصمة الحيوية = تحقق شبه يقيني من الهوية
وهو ما يغلق الباب أمام التلاعب بالهويات أو استخدام جوازات حقيقية لا تخص حاملها.
الدور التحليلي الأمني (Profiling)
الـProfiling الأمني ليس استهدافاً للأفراد بل تحليل لأنماط السفر. وعند استخدام الذكاء التحليلي المرتبط بالبيومتريك يمكن للنظام اكتشاف:
• السفر المتكرر لمسارات عالية الخطورة
• الرحلات القصيرة غير المنطقية زمنياً
• استخدام هويات متعددة للشخص نفسه
• تحركات مرتبطة بشبكات معروفة
وهذا يسمح بتصنيف المسافرين وفق مستويات المخاطر وتحويل الحالات المشتبه بها للفحص المتقدم.
نموذج تطبيقي: تهريب الذهب عبر مسارات الترانزيت
تستخدم شبكات تهريب الذهب أسلوب “الناقلين البشريين” عبر رحلات دولية متكررة إلى وجهات مثل الهند أو الإمارات. ويعتمد نجاحهم على:
• الظهور بمظهر مسافرين عاديين
• تغيير مسارات السفر باستمرار
• استخدام وثائق مختلفة
لكن النظام المتكامل يكشفهم عبر تحليل التكرار والأنماط، فإذا ظهر مسافر يسافر مراراً خلال فترات قصيرة إلى نفس الوجهات دون مبرر اقتصادي أو سياحي واضح، يُصنف تلقائياً كحالة عالية الخطورة.
الربط مع قوائم المنع الدولية
تكمن القوة الحقيقية للنظام عند ربطه بقواعد بيانات عالمية، مثل:
• INTERPOL — قواعد المطلوبين والوثائق المسروقة
• Terrorist Screening Center — قاعدة مراقبة الإرهاب
• No Fly List — قائمة حظر الطيران
• قواعد بيانات أوروبية مشتركة للمسافرين محل الاهتمام
عند إدخال بيانات المسافر، تُجرى مقارنة فورية مع هذه القوائم. وإذا ظهرت مطابقة، يصدر تنبيه أمني قبل إقلاع الرحلة.
مفهوم “الموافقة الأمنية المسبقة”
أحدث ما طُبق عالمياً هو مبدأ:
لا صعود للطائرة دون موافقة الدولة المستقبِلة
ويُعرف هذا النظام باسم:
• Authority to Carry
• Pre-Clearance
حيث تتحقق دولة الوصول من بيانات المسافر مسبقاً، وإذا رفضته أمنياً لا يُسمح لشركة الطيران بنقله أساساً.
تحديد المسافر المتكرر عالي المخاطر
ليس المقصود بالـ Frequent Flyer هنا المسافر الدائم تجارياً، بل:
المسافر الذي يظهر نمط حركة غير طبيعي
النظام التحليلي يستطيع رصد:
• تكرار السفر لمسارات تهريب
• استخدام وسطاء نقل
• حركة مرتبطة بشبكات اتجار بالبشر
وبفضل البصمة الحيوية لا يمكن للشخص إنشاء سجل جديد أو تغيير هويته للهروب من الرصد.
مكافحة الجرائم العابرة للحدود
يساهم النظام المتكامل في إحباط:
• تهريب الذهب والمعادن
• الاتجار بالبشر
• تهريب المخدرات
• الإرهاب
• غسل الأموال
لأن الفحص يتم قبل السفر، أي في مرحلة المنع الاستباقي، وهي المرحلة الأكثر فاعلية أمنياً.
الفرق بين النموذج التقليدي والنموذج الذكي
النظام التقليدي يعتمد على التفتيش بعد الوصول، بينما النموذج الحديث يعمل كمنصة استخبارات سفر عالمية تربط بين قواعد بيانات الدول وتستخرج أنماط المخاطر آلياً. والنتيجة أن الدول غير المنضمة لهذه الشبكات تصبح نقاط عبور مفضلة للجريمة المنظمة.
البعد الاستراتيجي للدول النامية
أفضل مدخل لتطبيق هذه المنظومة ليس شراء الأجهزة أولاً، بل إنشاء:
وحدة وطنية لتحليل مخاطر المسافرين
لأن:
• التحليل هو العقل
• البيانات هي الوقود
• المنافذ الحدودية هي الأذرع التنفيذية
خلاصة المقال
دمج البيومتريك مع API وقوائم المنع الدولية يمثل نقلة نوعية في فلسفة أمن الطيران؛ فقد انتقل العالم من نموذج التفتيش إلى نموذج التنبؤ. والنظام الحديث لا يكتفي بمعرفة من هو المسافر، بل يجيب على سؤال أهم:
هل يشكل هذا المسافر خطراً قبل أن يسافر؟
وهنا يكمن جوهر الأمن الاستباقي الذي أصبح معياراً عالمياً لا غنى عنه لأي دولة تسعى لحماية حدودها ومجالها الجوي ومكانتها في منظومة الطيران الدولية.



