وقفة 15 فبراير… حين يتكلم الصبر

وقفة 15 فبراير… حين يتكلم الصبر

كتب:محمد حمد ابوالعول

في يوم الأحد 15 فبراير، نظم العاملون بـ شركة مطارات السودان المحدودة وقفه إحتجاجية، هي الاولي في تاريخ المؤسسة للمطالبه باستحقاقات، منذ أن كانت مصلحة، ثم هيئة، ثم شركة. لم تكن الوقفة حدثًا عابراً، ولا تعبيراً انفعالياً طارئاً، بل كانت لحظة فارقة قال فيها الصبر كلمته الأخيرة بعد أن طفح الكيل.

هؤلاء العاملون منذ أن تم استدعائهم للعمل بمطار الخرطوم لم يعملوا في ظروف اعتيادية. أدّوا واجبهم في بيئة بالغة التعقيد، أحاطت بها مخاطر انعدام الأمن، وانتشار الأمراض، وشح الإمكانات. في فترةٍ كان يُنظر فيها إلى من يأتي إلى الخرطوم كأنه يُلقي بنفسه إلى التهلكة، اختاروا البقاء، واختاروا الاستمرار، واختاروا أن يظل المرفق يعمل رغم كل شيء. صبروا حين كان الصبر بطولة، وثبتوا حين كان الثبات تضحية.
لكن الحقوق لا تسقط بالصبر

استحقاقات العاملين عن عامي 2024 و2025 لم تُصرف، ويخشى كثيرون أن يلحق بهما عام 2026 ليُضاف إلى حساب أمانات الشركه، في مشهدٍ يثقل كاهل الأسر ويستنزف ما تبقى من قدرة على الاحتمال. والحديث هنا ليس عن أرقام في دفاتر، بل عن واقع معيشي قاسٍ:
سكنٌ فقد فيه كثيرون مقتنياتهم و أثاث منازلهم، وبعضهم فقد أجزاءاً من منزله، ومدارس تحولت رسومها إلى عبء لا يُطاق. عدد من الزملاء أوقف أبناءه عن الدراسة كلياً، وآخرون اضطروا إلى المفاضلة بين ابنٍ يواصل وآخر ينتظر. العلاج بات معركة يومية، والمعيشة تلتهم الراتب في أقل من عشرة أيام.

وهذا الحال وربما أشد ينطبق على العاملين النازحين في الولايات أو اللاجئين في دول متعددة، الذين يواجهون التزامات مضاعفة في ظل غياب الاستقرار.
ورغم كل ذلك، لم تكن الوقفة صرخة غضب بقدر ما كانت بيان ولاء. فقد أظهرت أن العاملين، برغم معاناتهم، يسكنهم حب السودان، ويعتزون بالعمل في مؤسستهم التي أفنوا فيها سنوات العمر عطاءاً وانتماءأ. لم يهتفوا ضد مؤسستهم، بل من أجلها، ولم يطالبوا بامتيازات، بل بحقوق مستحقة.

ولعل ما أعطى الوقفة صدىً إضافياً هو تزامنها مع وجود رئيس مجلس الإدارة وتسلمه المذكرة بنفسه، في مشهدٍ حمل دلالتين: اعترافاً بشرعية المطالب، وإقراراً بأن صوت العاملين لا يمكن تجاوزه. تلك اللحظة يجب أن تكون نقطة تحول، لا مجرد محطة استماع.
إن هذه الوقفة، بوصفها الأولى من نوعها في تاريخ المؤسسة بمسمياتها المتعاقبة، ليست تصعيداً بقدر ما هي إنذار مبكر. فالمؤسسات لا تُقاس فقط ببنيتها التشغيلية، بل بمدى عدالتها الداخلية. واستقرار الأداء يبدأ من استقرار الإنسان الذي يدير ويشغل ويحرس ويُسيّر.

المطلوب اليوم ليس معالجة جزئية أو وعوداً مؤجلة، بل برنامج واضح ومعلن لجدولة سداد الاستحقاقات، بآجال محددة وآلية متابعة شفافة. فالتأجيل المستمر يُراكم الاحتقان، بينما القرار الشجاع يُعيد الثقة ويغلق باب التصعيد.

لقد قال العاملون كلمتهم في 15 فبراير، بهدوء ومسئولية، واضعين الكرة في ملعب الإدارة. فإن جاءت الاستجابة عادلة ومتوازنة، عبر برنامج واضح لجدولة سداد الاستحقاقات بآجال محددة وآلية تنفيذ ومتابعة شفافة، فإن ذلك سيعيد بناء الثقة، ويعزز الاستقرار المؤسسي، ويحول هذه الوقفة من لحظة احتجاج إلى نقطة انطلاق جديدة لعلاقة أكثر نضجاً وعدالة بين الإدارة والعاملين. أما إذا غابت الاستجابة أو جاءت دون مستوى التطلعات المشروعة، فإن استمرار المعاناة وتراكم الإحباط قد يفضيان إلى اتساع دائرة الاحتقان وتصاعد أشكال التعبير عن المطالب، وهو ما لا يخدم المؤسسة ولا العاملين. والقرار اليوم بيد الإدارة: إما أن تجعل من هذه اللحظة مدخلاً للإصلاح، أو تتركها تتحول إلى منعطف أكثر تعقيداً.

Exit mobile version