مسئولية الناقل الجوي في النقل الداخلي بين المسئولية الموضوعية وحدود الدية والتأمين

مسئولية الناقل الجوي في النقل الداخلي بين المسئولية الموضوعية وحدود الدية والتأمين
كتب سامي محمد الامين
تقوم مسئولية الناقل الجوي في النقل الدولي على نظام موحد ، حيث أرساء قواعد موضوعية واضحة لمسئولية الناقل، وحددت سقوفاً للتعويض، ونقلت عبء الإثبات في نطاق معين إلى الناقل، بما يحقق قدراً عالياً من التوازن بين حماية الراكب واستقرار صناعة الطيران. حيث يتسم سقف التعويض بالوحدة، والحدود المالية المحددة سلفاً.
أما في النقل الداخلي، فإن المرجعية تكون عادة للائحة أو التشريع الوطني المنظم للنقل الجوي، حيث تختلف حدود المسئولية، وسقوف التعويض، وطبيعة الإثبات من دولة إلى أخرى. وقد تميل بعض اللوائح الداخلية إلى الأخذ بمسئولية مفترضة دون تحديد دولي موحد للتعويض، أو إلى إدخال اعتبارات خاصة كالدية أو القيود التأمينية المحلية.
ومن ثم، فإن الفارق الجوهري بين النظامين لا يكمن فقط في النطاق الجغرافي، بل في الفلسفة القانونية ذاتها فنظام مونتريال للتعويض يقوم على توحيد دولي ذي طابع شبه موضوعي وحدود مالية محددة، بينما تظل لائحة النقل الداخلي انعكاساً للخيارات التشريعية الوطنية، بما تحمله من خصوصية قانونية واجتماعية.
فحين يعتلي الراكب الطائرة في رحلة داخلية، فهو لا ينتقل من مدينة إلى أخرى فحسب، بل يدخل في علاقة قانونية معقّدة قوامها، ترتكز علي السلامة، وحدّها الفاصل هو المسئولية. هذه المسئولية لم تعد في الفكر القانوني الحديث مجرد مساءلة عن خطأ، بل تطورت لتصبح نظاماً متكاملاً لتحمل مخاطر نشاط احترافي عالي التقنية. غير أن الصورة لا تكتمل إلا عند الوقوف على مسألة التعويض، خاصة حين تتقاطع قواعد المسئولية المدنية مع أحكام الدية، ويتدخل نظام التأمين بوصفه الضامن العملي للوفاء.
أولاً: من الخطأ إلى تحمل التبعة
تاريخياً، فإن مسئولية الناقل الجوي تقوم على عقد النقل، وأن التزامه هو نقل الراكب أو البضاعة بسلام. غير أن القضاء والفقه تجاوزا فكرة “بذل العناية” إلى فكرة “تحقيق النتيجة”، أي ضمان السلامة ذاتها. فإذا وقعت وفاة أو إصابة أثناء الرحلة أو خلال الصعود والنزول، قامت المسئولية لمجرد وقوع الحادث واتصاله بالنقل.
ومع تطور صناعة النقل الجوي برزت فكرة أعمق: تحمل التبعة. فالناقل يمارس نشاطاً احترافياً يحقق منه ربحاً، ومن العدل أن يتحمل مخاطر هذا النشاط. لذلك خُفف عبء الإثبات عن الراكب، وأصبحت المسئولية في كثير من الأنظمة أقرب إلى المسئولية الموضوعية، ما لم يثبت الناقل سبباً أجنبياً كالقوة القاهرة.
وفي النقل الداخلي، يخضع هذا النظام للقانون الوطني، بخلاف النقل الدولي الذي تحكمه قواعد موحدة بموجب . وهذا يمنح المشرّع الوطني سلطة رسم حدود المسئولية والتعويض.
ثانياً: لحظة الوفاة… أين يبدأ التعويض؟
إذا انتهت الرحلة بحادث مميت، فإن المسئولية تنتقل من نطاقها النظري إلى سؤال عملي:
كيف يُجبر الضرر؟ وبأي معيار؟
هنا تتداخل ثلاثة مفاهيم:
الدية بوصفها تقديراً شرعياً لحرمة النفس.
التعويض المدني القائم على الجبر الكامل للضرر.
التأمين باعتباره الأداة التنفيذية للوفاء.
ثالثاً: “لا يجب مع الدية أي تعويض آخر”
يرى اتجاه فقهي معتبر أن الدية هي التقدير المالي الكامل لجبر إزهاق النفس خطأً، وأنها إذا استوفيت، فقد تحقق الجبر، ولا يجوز الحكم بتعويض إضافي.
فالديّة في هذا المنظور ليست مبلغاً جزافياً، بل نظاماً شرعياً متكاملاً يحدد قيمة النفس في حال الخطأ، ويمنع التفاوت والاضطراب في التقدير.
وعند إسقاط هذا الرأي على النقل الجوي الداخلي، تكون النتيجة أن وفاة الراكب في حادث جوي لا تُوجب إلا الدية، دون تعويض عن فقدان الدخل أو الأضرار الأدبية، باعتبار أن هذه الآثار داخلة في تقدير الدية.
هذا الاتجاه يحقق:
الاستقرار واليقين في تقدير التعويض،
منع الازدواج في الجبر،
ضبط التزامات شركات التأمين،
ومنع تضخم المطالبات المالية.
رابعاً: الاتجاه المقابل – الجبر الكامل للضرر
في المقابل، يقوم التعويض المدني على مبدأ مختلف:
وهو أن الضرر يجب أن يُجبر كاملاً، بما يشمل:
ما فات الورثة من إعالة مستقبلية،
الخسارة الفعلية،
الضرر الأدبي الناتج عن الفقد.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أن الدية تجبر ذات الفعل (إزهاق النفس)، لكنها لا تغني عن تعويض الضرر المالي اللاحق بالأسرة، خاصة إذا كان المتوفى يعيل أسرة كبيرة أو يشغل وظيفة ذات دخل مرتفع.
خامساً: الجمع بين الدية والتأمين
الناقل الجوي لا يعمل دون غطاء تأميني إلزامي وشركة التأمين تلتزم بسداد ما يُحكم به في حدود الوثيقة فإذا اقتصر الحكم على الدية، تولت شركة التأمين دفعها ضمن حدود التغطية.
أما إذا أجيز الجمع بين الدية وتعويض مدني إضافي، فقد يتجاوز المبلغ سقف الوثيقة، مما يحمّل الناقل عبئاً مالياً إضافياً أو يقتضي رفع حدود التأمين.
وهنا يتضح أن تبني أحد الرأيين ليس مسألة نظرية فحسب، بل له أثر مباشر على:
استقرار شركات الطيران،
حجم الأقساط التأمينية،
وإدارة المخاطر في قطاع الطيران.
سادساً: المقاربة بين الدية والضمان التأميني
الشريعة وضعت تقديراً ثابتاً لحرمة النفس هو الدية وهو ان تم دفعه كماهو. مائة من الابل يفوق كثير مبلغ التأمين بسعر اليوم .
القانون المدني الحديث يسعى إلى الجبر الكامل للضرر.
صناعة الطيران قائمة على نظام تأميني يغطي المخاطر المهنية.
فإذا قيل إن “لا يجب مع الدية أي تعويض آخر”، فإننا نكون قد تبنينا نظاماً معيارياً ثابتاً يحقق اليقين والاستقرار.
أما إذا أجيز الجمع، فإننا نكون قد تبنينا فلسفة الجبر الكامل، بما قد يؤدي إلى تفاوت كبير في الأحكام وتضخم الالتزامات.
خاتمة
إن مسئولية الناقل الجوي في النقل الداخلي لا تقف عند حدود إثبات الحادث، بل تمتد إلى تحديد فلسفة التعويض ذاتها والقول بعدم الجمع بين الدية وأي تعويض آخر يعكس رؤية منضبطة تستند إلى تقدير شرعي ثابت، وتحقق استقراراً مالياً في قطاع الطيران.غير أن العدالة قد تقتضي – في بعض البيئات التشريعية – قراءة أكثر مرونة تراعي حجم الضرر الفعلي.
وفي النهاية، يبقى السؤال الجوهري اي الخيارات سيتبناها المشرع السوداني في مجال الطيران المدني هل نُغلب معيار الثبات واليقين، أم معيار الجبر الكامل؟ ام ان السكوت سيكون لازما ويتم الانصراف الي معالجة حقوق ادني
الإجابة ليست مجرد تحديد الخيار القانوني، بل هي تحديد لفلسفة المسئولية في النقل الجوي الداخلي، بين نظام معياري ثابت، ونظام تعويضي تحكمه اعتبارات اخري وظروف كل حالة.



