محمد أزهري يكتب: حتى “الكينين” والله شينة منك!!

حتى “الكينين” والله شينة منك!!

محمد أزهري

يوماً بعد يوم يزداد الوضع الصحي في مدينة المناقل بؤساً، ويمارس المسؤولون حالة أشبه بصمت القبور، بينما تزداد معاناة المرضى وأسرهم.
الملاريا في الأحياء الجنوبية، وربما في عموم المناقل تجاوزت مرحلة خطيرة – مرحلة التطبيع الكامل مع العلاج، وفرضت سيطرتها الكاملة على أجساد المرضى.

طبيب المختبر، وصاحب مركز الحكمة بحي ود المسلمي، د”عصام حسين”، بالأمس وضع سؤالاً محيراً في مجموعة (الفحيص السوداني) على “فيسبوك”، قال فيه، (يا جماعة في حاجة مخيفة، نو ملاريا بقت مستحيلة والكروس “الصليب” الواحد نادر يحصل، هل الحاصل دا في منطقتنا فقط ولا الجزيرة كلها أم في كل السودان، قلنا العلاج الكينين لكن طلع ولا حاجة حتى بعد الكينين بتجي راجعة تاني).

حقيقة السؤال أعلاه أعاد ذاكرتي إلى سنوات مضت، سنوات عندما نسمع مريض في الحي كتبوا له كينين، كل الحي يزوره في المستشفى وكلنا نبكي عليه في سرنا، كنا نعتبر الكينين مثل الكيمياوي، حتى لو شفيت منه بتشفى بعاهة مستديمة في السمع غالباً أو كما كنا نظن، الآن أصبح الكينين مثل البندول يكتب للطفل ولا يؤثر كما قال عصام (ما بعمل حاجة) (والله شينة منك يالكينين).
إذن أين المشكلة هل في الكينين (زادوه موية) أم المرض استحدث مقاومة تماشياً مع ثورة التكنولوجيا في العالم، وتركنا نلاحق المسؤولين ونترجاهم أن (يشوفوا شغلهم)؟

إذن هذا الأمر تعدى مرحلة أن يكون حالات عادية إلى وباء في توصيفه الأصغر وهنا لا يمكن أن ينتهي بجرعات الملاريا ولا الوصفات الطبية الأخرى، الأمر يحتاج إلى تدخل عاجل من وزارة الصحة، وكما وعدنا بالأمس ستكون رسالة اليوم إلى وزير الصحة الاتحادي متجاوزين الشؤون الصحية بالمناقل التي أصابها الصمم، تجاه ما طرقناه، عليه نطالب بتحويل مكاتبها إلى جوار مقابر (الفكي البر) القريبة منها ليقاسموا الأموات صمتهم الأزلي رحمهم الله.

لا أذيعك سر يا د. “عصام” في الأحياء الجنوبية كثير من المواطنين يتهمون أجهزة مراكز الأحياء بأنها مصابة بالملاريا وبالتالي تلصق العدوى في جميع النتائج، والكثير منهم هجر الفحوصات تماماً لأسباب مادية، وأخرى متعلقة باحساسهم بعدم جدوى العلاج، وهم لا يعرفون أن الأجهزة ممتازة والمشغلين أكفاء لكن المشكلة تكمن في البعوض الذي يمارس حياته معهم بكل حرية.

أخر مرة زرت فيها مركز د. “عصام” لإجراء فحوصات لابني “أزهري” كتب على روشتة الفحوصات (فري)، سألته ليه يادكتور قبل كدا أكرمتنا ودي خليها علينا رد ساخراً أزهري دا بقى زبون، وكذلك كتبت الدكتورة الشاطرة “هند مكاوي” (فري) على ورقة مقابلتها مشكورة، هذا طبعا تعامل راقي من مركز الحكمة الصحي المتميز، تعامل يشير إلى إحساسهم بظروف الناس وتقديرها.

تظل الملاريا مرض يعيش بيننا ما لم تنتبه السلطات الصحية إلى مسؤوليتها في محاربة البعوض، ويظل العلاج مجرد وسيلة تخفف الحمى والصداع وتزيل الأعراض مؤقتاً ثم يتكرر المشهد مع الشخص الواحد في الشهر نحو اثنين إلى ثلاثة مرات.

التكلفة المالية حالياً لعلاج شخص واحد في المناقل تتراوح بين (60 – 100) ألف جنيه، في مراكز مختلفة وتزيد إلى نحو (130) ألف في حالة مقابلة أخصائي، وكثير من الأسر تفشل في الذهاب إلى مقابلة الأطباء وإجراء الفحوصات وتكتفي بشراء الجرعة فقط لأسباب مالية بحتة ـ وكبنا نعلم خطورة أخذ العلاج دون وصفة طبية.

ضع في بالك أن هذه التكلفة تواجه رب أسرة (على أد حاله)، في الشهر مرتين على الأقل، بسبب إهمال السلطات الصحية والبيئية لمسؤولياتها وواجباتها وإنشغالها بأشياء أخرى لا علاقة لها بصحة الناس.
المرض واضح والمرضى كُثر والناقل معلوم والمكافحة غائبة.

ثمة سؤال نطرحه على إدارة الشؤون الصحية بالمناقل، أين ماكينات الرش والمضخات الحديثة التي وصلتكم من منظمة ريليف، وماذا أنتم فاعلين بها؟

نواصل




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.