إعادة فتح المجال الجوي السوداني: بين الاشتراطات الدولية وفرص التأهيل الذكي

إعادة فتح المجال الجوي السوداني: بين الاشتراطات الدولية وفرص التأهيل الذكي
إبراهيم عدلان
إعادة فتح المجال الجوي السوداني أمام الحركة الجوية الدولية ليست خطوة إجرائية بسيطة، بل عملية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الفنية والقانونية والأمنية، وتخضع لمنظومة دقيقة من المعايير الدولية التي تشرف عليها منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو). وتبدأ هذه العملية، وفق الإجراءات المتبعة، بإخطار رسمي من السلطة المختصة في الخرطوم إلى المكتب الإقليمي للإيكاو في القاهرة تعلن فيه رغبتها في استئناف تشغيل المجال الجوي.
عقب هذا الإخطار، يتولى المكتب الإقليمي تشكيل فريق فني متخصص يضم خبراء في الملاحة الجوية والسلامة وأمن الطيران والاتصالات والرصد الراداري، تكون مهمته إجراء تقييم شامل لجاهزية السودان. ويشمل التقييم مراجعة أنظمة المراقبة الجوية، وكفاءة مراكز التحكم، وصلاحية أجهزة الملاحة الأرضية، واستقرار منظومات الاتصالات، إضافة إلى التحقق من تأهيل الكوادر الفنية وترخيصها وفق المعايير الدولية.
ولا يقتصر التدقيق على الجوانب التقنية فحسب، بل يمتد إلى تقييم بيئة التشغيل الجوية نفسها، بما في ذلك مستوى المخاطر الأمنية في الأجواء. فسلامة المجال الجوي شرط أساسي لا يمكن التنازل عنه، خاصة في ظل التحديات الحديثة المرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية غير التقليدية، التي أصبحت هاجساً أمنياً عالمياً يستدعي إجراءات صارمة لضمان سلامة الطيران المدني.
وبعد استكمال التقييم، يرفع الفريق تقريره الفني إلى المكتب الإقليمي متضمناً توصية واضحة إما بالموافقة على إعادة فتح المجال الجوي كلياً أو جزئياً، أو برفض الطلب إلى حين استيفاء النواقص. وتُعد هذه التوصية مرجعية أساسية لشركات الطيران الدولية وشركات التأمين ومشغلي الرحلات عند اتخاذ قرارات تشغيلية تتعلق باستخدام الأجواء السودانية.
غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن إعادة التشغيل في ظل الظروف الراهنة تبقى أقرب إلى الأمنيات الطيبة منها إلى القرارات الفورية. فاستمرار النزاع المسلح يفرض قيوداً كبيرة أمام أي تقييم إيجابي، إذ لا يمكن ضمان سلامة الملاحة الجوية في بيئة تشهد عمليات عسكرية نشطة. ومن ثم، فإن التقدم نحو وقف الحرب والدخول في مرحلة سلام مستدام يظل عاملاً حاسماً لطمأنة المجتمع الدولي وتهيئة الظروف اللازمة لعودة الحركة الجوية.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز مسار عملي يمكن أن يشكل نقطة انطلاق واقعية، يتمثل في استثمار عمليات الإغاثة الإنسانية المزمع تنفيذها خلال المرحلة المقبلة. فهذه العمليات الجوية، التي غالباً ما تُدار بالتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظماتها، يمكن أن تتحول من مجرد نشاط إنساني مؤقت إلى فرصة استراتيجية لإعادة تأهيل البنية التحتية للملاحة الجوية في السودان.
وقد بدأت بعض الأصوات تنادي بتحصيل الرسوم الملاحية من طائرات المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني. ورغم مشروعية هذا الطرح من حيث المبدأ السيادي، إلا أن التعامل معه بمنطق مالي صرف قد يضيّع فرصة أكبر. فالأجدى — وفق رؤية خبراء الطيران — أن تُدار المسألة بصيغة شراكة ذكية تقوم على مبدأ المقايضة الفنية: إعفاء أو تخفيض الرسوم مقابل مساهمة مباشرة من الأمم المتحدة في إعادة تأهيل منظومات الملاحة الجوية، بما يشمل تحديث أجهزة الاتصالات والرادارات، وصيانة المعينات الملاحية، وإعادة تأهيل مراكز المراقبة الجوية، وتدريب الكوادر الوطنية.
مثل هذا التوجه لا يتعارض مع القوانين الدولية، بل ينسجم مع فلسفة التعاون التي تقوم عليها صناعة الطيران العالمي، حيث تُعد السلامة مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية. كما أنه يمثل حلاً عملياً في ظل محدودية الموارد الوطنية، ويتيح استعادة الجاهزية الفنية تدريجياً دون انتظار تمويلات طويلة الأجل.
في المحصلة، فإن إعادة فتح المجال الجوي السوداني ليست مجرد قرار تشغيلي، بل اختبار شامل لقدرة الدولة على استيفاء متطلبات السلامة الدولية وإثبات جاهزيتها المؤسسية والأمنية. وبينما يظل القرار النهائي فنياً في جوهره، فإن الطريق إليه يمر حتماً عبر بوابة الاستقرار والسلام، وعبر حسن استثمار الفرص المتاحة اليوم لبناء بنية تحتية قادرة على حمل طموحات الغد.



