عثمان ميرغني يكتب: البقية في الحرب القادمة..

البقية في الحرب القادمة..

عثمان ميرغني

وكأن كل حرب تخوضها إيران تنتهي بعبارة مكتوبة في نهايتها: «البقية في الحرب القادمة».. فما تكاد تنطفئ حتى تندلع أخرى بعدها. منذ حروب الخليج المتتالية مع العراق في عهد صدام حسين، ثم اللعب بالوكالة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مروراً بحرب الـ12 يوماً في يونيو 2025، وصولاً إلى الوضع الحالي.

إذا نظرنا إلى خارطة الحروب التي شاركت فيها إيران – أو دعمتها – منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى اليوم، تظهر صورة مخيفة للعالم العربي. ساهمت إيران – عن قصد أو غير قصد – في تحقيق معظم الأجندات والمخططات التي كانت تحلم بها إسر ،ائيل. زرعت حالة خوف واسعة تمتد عبر الشرق الأوسط بأكمله، ودفعت دول الخليج إلى سباق تسلح باهظ التكاليف لحماية أمنها وسلامة شعوبها ومواردها. ونشرت حالة عدم استقرار مزمن عبر أذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأهدرت موارد وطاقات الدول العربية في معارك بلا طائل لا تزال مستمرة حتى الآن.

تخيّل لو كانت إيران قوة اقتصادية متطلعة تركز على الصناعة والزراعة والطاقة والتقدم التكنولوجي – كما تفعل دول كبرى مثل الصين وماليزيا – وتحولت إلى شريك اقتصادي رئيسي في الشرق الأوسط، تمدّ شراكاتها الاقتصادية بدلاً من أذرعها العسكرية. لو تحالفت اقتصادياً مع دول الخليج لتصنع كياناً عملاقاً يشبه «النمور الآسيوية»، ثم امتدت شراكاتها إلى إفريقيا كما فعلت الصين وتركيا والهند، ومدّت خطوط السكك الحديدية عبر القارة الإفريقية في سياق نموذج مشابه لـ«طريق الحرير» الصيني.

في هذه الحالة، لكانت القوة الاقتصادية والجيوسياسية تحقق أكثر بكثير مما تحققه القوة العسكرية وحدها. عندئذٍ يصبح الشرق الأوسط الكبير منطقة مستقرة، لا مطية سهلة لأجندات القوى الدولية التي تدير مثل هذه الأزمات بآفاق استراتيجية تعظم مصالحها.

ما يهمنا الآن، وسط هذه الفوضى، هو أن يحقق السودان أعلى مكاسب ممكنة على المدى القريب والبعيد.
كتبت أمس على صفحتي في فيسبوك أنني أعيب على بيان وزارة الخارجية السودانية إغفاله لذكر دولة الإمارات ضمن الدول التي أدان الاعتداء الإيراني عليها، رغم أنه ذكر بقية دول الخليج بالاسم. وفي الحال انهالت الردود الغاضبة، وربما كانت هي السبب وراء عزوف البيان عن استكمال الإدانة.
منهج تفكيري يتجاوز الغبن والعواطف والانفعالات الناتجة عن مواقف ودعم الإمارات لقوات التمرد في السودان. النظرة الاستراتيجية الحصيفة تبحث عن مصالح السودان في المتغيرات الجارية على المشهد. وعندما تتوافق المبادئ مع المصالح، يصبح ذلك أقوى دعامة لخياراتنا.

الصواريخ التي سقطت على دول الخليج – ومعظمها فوق رؤوس المدنيين الآمنين – تجعل الموقف السوداني قوياً عندما يعبر عن إدانة ذلك.
هذا الموقف قد يساعد الإمارات على مراجعة سياستها بدعم قوات التمرد التي ترتكب أبشع الانتهاكات ضد المدنيين في السودان.
أولويتنا الوطنية في السودان الآن هي إيقاف الحرب في بلادنا. وبالضرورة، وقف الدعم الإماراتي لقوات التمرد يُعدّ بمثابة قطع الأكسجين عن الحريق، مما يُقصّر عمر الحرب ويُسرّع إنهاءها.

الجيش السوداني قدم – ولا يزال يقدم – تضحيات عظيمة من أجل بسط الشرعية والسلام في كل أرجاء السودان. فإذا استطاعت الدبلوماسية السودانية – والقوى السياسية – مساعدته على تحقيق هذا الهدف بثمن أقل وزمن أقصر، فإن ذلك يدعم الجيش فعلياً ويعزز من قوته.

#حديث _المدينة الأحد 1 مارس 2026

Exit mobile version