المجال الجوي السوداني بين الطموح و الواقع : لماذا العبور غير ممكناً ؟

سودافاكس ـ في ظل التحولات الجيوسياسية التي أعادت تشكيل مسارات الملاحة الجوية في الشرق الأوسط، برزت أطروحات من خبراء و محللين تدعو إلى الاستفادة من المجال الجوي السوداني كممر بديل للرحلات بين آسيا و أوروبا.
الفكرة تبدو جذابة من الوهلة الأولى، لكنها لا تقف على مستوى الواقع الحالي فالتقييم المهني يكشف أن الواقع التشغيلي والأمني لا يدعمها في المرحلة الحالية.

الوضع الحالي للمجال الجوي السوداني

منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، أُغلق معظم المجال الجوي السوداني أمام الحركة التجارية المنتظمة، وأُدرجت منطقة معلومات الطيران في السودان ضمن ترتيبات طوارئ (Contingency Plan) تحت إشراف منظمة الطيران المدني الدولي. هذه الترتيبات تنظم حالات محدودة مع فتح لبعض المسارات شرق السودان، لكنها لا تعني فتح المجال لعبور كثيف ومنتظم.

تشغيل أي مجال جوي كممر دولي يتطلب منظومة متكاملة تشمل أنظمة مراقبة فعالة، اتصالات مستقرة، مراكز تحكم مؤمنة، وضمان سيطرة تشغيلية كاملة على الأرض. في بيئة نزاع مسلح، تصبح معايير المخاطر أكثر تعقيدًا، وتُقدَّم اعتبارات السلامة على أي مكاسب زمنية أو اقتصادية.

حادثة إسقاط رحلة Malaysia Airlines Flight 17 عام 2014 أعادت صياغة طريقة تعامل شركات الطيران مع أجواء النزاعات، ورسخت مبدأ التحفظ كقاعدة أساسية في تخطيط المسارات.

تحذيرات السلامة

لا تزال التحذيرات الدولية سارية، إذ أصدرت الهيئة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA) نشرات تنصح بتجنب التحليق فوق السودان بسبب استمرار المخاطر المرتبطة بالنزاع، ما يضع المجال الجوي السوداني ضمن البيئات مرتفعة الخطورة في تقييمات المشغلين وشركات التأمين.

قراءة الخريطة والبدائل المتاحة

عند النظر إلى مسارات آسيا – أوروبا، يتضح أن السودان لا يقع ضمن خط التحويل الطبيعي للرحلات. هناك ممرات أكثر اتساقًا مع الجغرافيا التشغيلية وتتجنب العبور فوق طهران ومناطق الخطورة الحالية، وذلك بالانحراف شمالًا عبر أجواء تركمانستان → أذربيجان → بحر قزوين → أرمينيا → تركيا → أوروبا الشرقية والوسطى. هذا المسار أقصر و أقرب للخط المباشر بين آسيا وأوروبا، ويقع ضمن شبكة ممرات جوية مستقرة نسبيًا، ويخدم مئات، إن لم يكن آلاف الرحلات أسبوعيًا، مع مراعاة توفير الزمن واستهلاك الوقود و هو ما تم بالفعل حالياً .

في المقابل المسار الجنوبي عبر السعودية – البحر الأحمر – مصر – أوروبا لا يزال مستخدمًا بشكل كبير، إذ لم تُغلق المملكة مجالها الجوي بالكامل. على الرغم من التوترات المحتملة في البحر الأحمر، يسمح هذا الطريق بمرور مكثف للحركة الجوية مع تعزيز و كفاءة إجراءات المراقبة والأمان مما يقلل الحاجة لتوجيه الرحلات جنوبًا نحو السودان ثم شمالاً مره اخري عبر مصر .

المسارات عبر السودان بالمقابل أطول وأكثر تكلفة اضافةً الي ان المجال الجوي مغلق جزئيًا و مع إمكانيات محدودة لتقديم خدمات ملاحة جوية آمنة في منطقة نزاعات عالية الخطورة ما يجعلها غير جذابة لأي تشغيل تجاري كثيف ومنتظم.

اعتبارات التشغيل

قبل اعتماد أي مسار تقوم شركات الطيران العالمية الكبرى بتقييم مجموعة من العوامل بدقة تشمل مستوى التهديد و نطاقه الجغرافي وحتي نوعية الأسلحة المستخدمة ومدى السيطرة الفعلية على المجال الجوي. هذه الحسابات هي التي تحدد صلاحية أي ممر جوي وليس مجرد موقعه على الخريطة أو بعده الاقتصادي ؛ فالسلامة أولًا.

تشغيل المجال الجوي لا يرتبط بفراغ جغرافي يمكن ملؤه فورًا عند إغلاق مسار آخر بل بمنظومة جاهزية متكاملة تشمل البنية التحتية و الضمانات الأمنية و الاعتمادات الدولية. فان اندلاع أعمال عسكرية في جزء من الإقليم لا يعني تلقائيًا توفر شروط التشغيل في جزء آخر.

إن إعادة إدماج المجال الجوي السوداني كممر عبور فعّال تظل مرتبطة بتحقيق استقرار أمني شامل واستعادة الجاهزية الفنية الكاملة ورفع التحذيرات الدولية رسميًا.

في الظروف الراهنة لا يُعد العبور التجاري فوق السودان خيارًا عمليًا ضمن معايير إدارة المخاطر الدولية. المسألة ليست قرارًا أو حلمًا يمكن تطبيقه بمعزل عن الواقع بل نتيجة مباشرة لمعادلة الأمن والاستقرار والثقة التشغيلية. وعندما تتغير هذه المعطيات يمكن حينها الحديث عن دور مختلف لسماء السودان في شبكة الملاحة العالمية.

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.