شركة مطارات السودان بين صفة الشركة وواقع الجهاز الحكومي: قراءة في إشكالية الهيكل المؤسسي

شركة مطارات السودان بين صفة الشركة وواقع الجهاز الحكومي: قراءة في إشكالية الهيكل المؤسسي

بقلم: محمد حمد أبو عول

عندما أُعيدت هيكلة الهيئة العامة للطيران المدني في السودان قبل أكثر من اثني عشر عاماً، كان الهدف المعلن هو تحديث القطاع ومواءمته مع النماذج العالمية التي تفصل بين الجهة التنظيمية والجهة التشغيلية. ومن حيث المبدأ، فإن هذا التوجه يمثل قاعدة راسخة في إدارة الطيران المدني الحديثة، حيث تتولى جهة رقابية مستقلة وضع السياسات والضوابط، بينما تتولى جهة أخرى إدارة وتشغيل المطارات والخدمات ذات الصلة وفق منطق اقتصادي وتشغيلي واضح.

غير أن التطبيق العملي في السودان أفرز نموذجاً مؤسسياً مشوباً بالتعقيد، إن لم نقل بالاختلال الهيكلي. فقد أُنشئ جسم رقابي أُطلق عليه اسم “السلطة”، لكنه ضم في داخله بعض الأدوار التشغيلية، وهو ما يتعارض مع الفلسفة الأساسية للفصل بين التنظيم والتشغيل. ثم جرى لاحقاً فصل المطارات لتصبح كياناً تشغيلياً تحت مسمى شركة مطارات السودان.

لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بعد مرور أكثر من عقد على هذا التحول:هل أصبحت المطارات فعلاً شركة بالمعنى المؤسسي والاقتصادي للكلمة؟
الواقع يشير إلى غير ذلك.

فالشركات بطبيعتها تعمل وفق منظومة حوكمة واضحة تشمل لوائح مالية مستقلة، ولوائح شراء وتعاقد، وسلطات فاعلة لمجلس الإدارة في إقرار الموازنات والسياسات التشغيلية. غير أن شركة مطارات السودان ما زالت، حتى اليوم، تعمل وفق لائحة الإجراءات المالية العامة للدولة، وليس لديها لائحة مالية خاصة بها، كما لا تملك لائحة مستقلة للمشتريات والتعاقدات.

بل إن سقوفات الشراء والتعاقد والتصديقات لا تصدر من مجلس إدارة الشركة، وإنما من وزارة المالية، كما أن إجازة الموازنة من مجلس الإدارة تبدو أقرب إلى الإجراء الشكلي، إذ إن الموازنة في نهاية المطاف تخضع لمناقشة واعتماد وزارة المالية وديوان شئون الخدمة فيما يتعلق باستحقاقات العاملين.

ويظهر الخلل المؤسسي أيضاً في جانب المراجعة الداخلية. فبالرغم من وجود إدارة للمراجعة داخل الشركة، إلا أنها تتبع كلياً لإدارة المراجعة بوزارة المالية وترفع تقاريرها إليها، بينما من حيث مبادئ الحوكمة المؤسسية المعروفة، يفترض أن تتبع إدارة المراجعة لمجلس إدارة الشركة مباشرة، وأن ترفع تقاريرها له، حتى تتمكن من أداء دورها الرقابي باستقلالية كاملة، بعيداً عن أي تأثيرات تنفيذية.

بهذا المعنى، نجد أنفسنا أمام كيان مؤسسي يحمل اسم شركة، لكنه يعمل فعلياً وفق آليات جهاز حكومي. وهذه الازدواجية خلقت وضعاً يمكن وصفه إدارياً بأنه كيان هجين، لا هو شركة تمتلك أدوات الإدارة الاقتصادية والمرونة التشغيلية، ولا هو هيئة حكومية واضحة الصلاحيات والمسئوليات.

ويزداد هذا التعقيد إذا استحضرنا حقيقة مهمة كانت معروفة عند اتخاذ قرار الفصل، وهي أن المطارات الولائية باستثناء مطار الخرطوم كانت خاسرة قبل الفصل. ولم يكن إنشاؤها قائماً في الأصل على دراسات جدوى اقتصادية بحتة، بل ارتبطت في كثير من الأحيان باعتبارات أمنية وسياسية واستراتيجية تتعلق بربط أطراف البلاد وتعزيز الحضور السيادي للدولة، وأحياناً في إطار اعتبارات مناطقية.

وبالتالي، فإن تحويل إدارة هذه المطارات إلى شركة تعمل وفق منطق الربحية لم يكن متسقاً تماماً مع طبيعة الدور الذي أُنشئت من أجله تلك المطارات. بل إن المؤشرات الواقعية، في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي تمر بها البلاد، لا توحي بوجود فرص قريبة لتحول معظم هذه المطارات الولائية إلى وحدات تحقق أرباحاً.
ومن هنا تبرز الإشكالية الحقيقية إذا كانت الشركة لا تمتلك أدوات الشركة، والمطارات التي تديرها لا تعمل وفق منطق اقتصادي ربحي في الأساس، فإن الاستمرار في هذا الوضع الرمادي يخلق حالة من الضبابية المؤسسية، ويقيد القدرة على التخطيط الاستراتيجي للقطاع.

إن معالجة هذه المعضلة لا تحتاج إلى حلول تجميلية، بل إلى مراجعة مؤسسية شجاعة*. فإذا كان القائمون على أمر القطاع يرون أن بالإمكان تحويل شركة المطارات إلى شركة حقيقية، فيجب حينها استكمال متطلبات ذلك التحول وفق لوائح مستقلة، وصلاحيات فعلية لمجلس الإدارة، واستقلال إداري ومالي يسمح بإدارة الأصول وفق منهج اقتصادي واضح، مع إعادة تنظيم وظيفة المراجعة الداخلية بحيث تتبع لمجلس الإدارة لضمان استقلالها وفاعليتها.

أما إذا تعذر تحقيق ذلك في المدى المنظور، فإن الخيار الأكثر عقلانية قد يكون إعادة المطارات إلى هيئة حكومية تعمل ضمن جهاز الدولة، بما ينسجم مع طبيعة الدور السيادي والخدمي الذي تؤديه.

فالوضوح المؤسسي ليس ترفاً إدارياً، بل شرط أساسي لنجاح أي مؤسسة. والقطاع الذي يربط السودان بالعالم ويعكس صورة الدولة أمام المسافرين والشركاء الدوليين، يستحق هيكلاً إدارياً واضح المعالم، قادراً على اتخاذ القرار بكفاءة، وتحقيق التوازن بين البعد السيادي والبعد الاقتصادي.

إن مستقبل الطيران المدني في السودان لن يتحدد فقط بالمطارات والطائرات، بل بالهندسة المؤسسية التي تُدار بها هذه المنظومة.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بوضوح اليوم هو هل نريد شركة حقيقية؟
أم جهازاً حكومياً واضح الهوية؟
أما الاستمرار في المنطقة الرمادية بين الاثنين، فذلك هو الخيار الأكثر كلفة على المدى الطويل.

Exit mobile version