بعد 2749 يوماً في المنصب.. سر الختم بابكر ..هل حان وقت التغيير في شركة مطارات السودان؟
في العشرين من نوفمبر 2019 أصدر رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عبد الله حمدوك، بناءً على توصية من وزير الدفاع، قراراً بتكليف الفريق سر الختم بابكر الطيب مديراً عاماً لشركة مطارات السودان القابضة، خلفاً للفريق أول ركن حسين بشير.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، مضت فترة تبلغ 2749 يوماً، وهي مدة تقترب من دورتين انتخابيتين ، ومن الناحية النظرية، تعد هذه الفترة كافية للحكم على أي تجربة إدارية، سواء من حيث النجاح أو الإخفاق.
غير أن الأمانة تقتضي الإقرار بأن هذه السنوات لم تكن مستقرة بأي حال من الأحوال. فقد شهد السودان خلالها تحولات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة ألقت بظلالها على مختلف مؤسسات الدولة، بما فيها قطاع الطيران.
فمن حكومة انتقالية استمدت شرعيتها من ثورة شعبية، إلى واقع سياسي جديد أعقب انقلاباً عسكرياً، ثم إلى حرب قاسية ما تزال تداعياتها مستمرة، ظل الفريق سر الختم يعمل في بيئة شديدة التقلب وصعبة التنبؤ.
وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، يصبح من الصعب تنفيذ أي خطة أو استراتيجية طويلة المدى، مهما بلغت دقة إعدادها أو تضمنت من سيناريوهات للطوارئ. ولذلك فإن أي تقييم منصف للتجربة يجب أن يضع في الاعتبار حالة عدم الاستقرار التي عاشتها البلاد وانعكاساتها المباشرة على قطاع الطيران وأداء شركة مطارات السودان.
كما أن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى ما يتمتع به الفريق سر الختم من خبرات إدارية وهندسية كبيرة، وإلى الجهود التي بذلها خلال سنوات الحرب للمحافظة على استمرارية العمل في مطاري بورتسودان والخرطوم، في ظروف كانت من بين الأصعب في تاريخ الطيران السوداني.
ورغم ذلك كله، فإن المدير العام لشركة مطارات السودان أخفق في أهم اختبار واجهه خلال فترة إدارته، وهو ملف حقوق العاملين وكيفية إدارة الموارد البشرية. فقد أدى التعامل مع هذا الملف إلى حدوث شرخ واضح داخل الشركة، التي أنفقت عبر سنوات طويلة أموالاً وجهوداً كبيرة في تأهيل كوادر ذات كفاءة عالية وخبرات متراكمة.
لكن هذه الكوادر لم تستفد منها الشركة بالشكل المطلوب خلال فترة الحرب، إذ ما يزال عدد كبير منها خارج دائرة العمل الفعلي في إجازات مفتوحة أو أوضاع إدارية غير مستقرة، الأمر الذي خلق حالة من الإحباط وعدم الرضا داخل المؤسسة.
كما أن استمرار الخلافات المرتبطة بالحقوق الوظيفية وعدم عودة أعداد كبيرة من العاملين إلى مواقعهم انعكس بصورة مباشرة على حالة الاستقرار المؤسسي التي كانت تتميز بها الشركة لعقود طويلة. وهذا ملف يتحمل المدير العام مسؤوليته الإدارية بصورة مباشرة، لأن رأس الهرم الإداري يظل مسؤولاً عن معالجة مثل هذه القضايا قبل تفاقمها.
واليوم، وبعد أكثر من سبع سنوات في قيادة المؤسسة، ومع تعقيدات المرحلة الحالية وتحديات المستقبل، يبدو أن الوقت قد حان للتفكير في خيار الاستقالة أو الإعفاء، ليس باعتباره عقوبة أو إقراراً بالفشل، وإنما باعتباره خطوة طبيعية في دورة العمل الإداري.
لقد أعطى المهندس المستشار سر الختم بابكر أقصى ما يستطيع تقديمه في هذه المرحلة، وبذل جهداً مقدراً في ظروف بالغة التعقيد، غير أن المرحلة المقبلة ربما تحتاج إلى قيادة جديدة من داخل المؤسسة نفسها، قيادة تدرجت في مختلف مستوياتها الإدارية، وتعرف تفاصيلها الدقيقة، وتملك القدرة على إعادة ترتيب أوراقها المبعثرة واستعادة الثقة بين الإدارة والعاملين.
إن شركة مطارات السودان تحتاج اليوم إلى مشروع للمصالحة الداخلية وإعادة بناء الروح المؤسسية، وإلى قيادة قادرة على إخراج العاملين من دائرة الإحباط إلى فضاء الحماس والإنتاج والعطاء.
وفي نهاية المطاف، فإن التغيير يظل سنة من سنن الحياة والإدارة. وهو لا يعني بالضرورة فشل من يغادر موقعه أو نجاح من يأتي بعده، بل يمثل فرصة للتجديد وضخ دماء جديدة وأفكار مختلفة تمكن المؤسسات من مواصلة مسيرتها ومواجهة تحديات المستقبل بثقة أكبر.
رئيس التحرير
