عثمان ميرغني يكتب: جريمة تدمير برلمان الاستقلال

جريمة تدمير برلمان الاستقلال

عثمان ميرغني

اصطحبت معي مصوّرَين فيديو مدجَّجَين بكاميرات حديثة.. ذهبنا نبحث عن أطلال مقر “الجمعية التأسيسية” في الخرطوم.. كان ذلك في سنة 2018. المبنى الذي لم أنسَه عندما نظّمنا فيه مؤتمرًا للطلاب الدارسين بمصر في منتصف الثمانينيات في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري.
كنت مسؤولًا عن تقديم المؤتمر، وفي الجلسة الافتتاحية التي شرفها وزير التعليم العالي الدكتور دفع الله الحاج يوسف، تقدمت إلى منصة الخطابة وألقيت كلمة ترحيب بالضيوف. في خضم التوتر وزحام الشخصيات المهمة التي كانت تقف أمامي في القاعة.. رحّبت بكل الحضور بأسمائهم وصفاتهم.. ونسيت أهم الشخصيات، ضيف الشرف الوزير نفسه.
لم أتذكره إلا بعد أن أنهيت الترحيب وعدت لأجلس بين الضيوف، فوجدت الوزير على يميني مباشرة.
بعد أن تلى المقرئ آيات من القرآن لتدشين المؤتمر، تقدمت إلى المنصة لتقديم المتحدث التالي. أردت إصلاح الخطأ فقلت:(ربما تلاحظون أنني لم أرحب بسعادة الوزير في كلمتي الترحيبية الأولى.. وربما ظننتم أنني أخطأت ونسيتُه.. لكن الحقيقة.. – ثم التفتُّ نحو الوزير – كيف أرحب بك يا سيدي الوزير وأنت أصلًا لم تفارقنا قط.. كنت معنا دائمًا تسأل عن أحوال الطلاب وتهتم بأمورهم.. ولا زلت أذكر اجتماعنا بكم في القاهرة وقد ظللتَ حتى الساعات الأولى من الفجر بلباس العمل.. تناقشنا في تفاصيل أوضاع الطلاب..)
ثم قدمت المتحدث التالي.. وعدت إلى مجلسي بجوار الوزير.. وكان على يساري مدير مكتبه الذي همس في أذني: (ما تعمل حريف.. إنت نسيت الوزير).
بعد نهاية الجلسة الأولى ومغادرة الوزير.. اقترب مني أحد الطلاب المشاغبين وقال لي ساخرًا:(نعرف لباس العمل للطبيب.. وللمحامي.. وللقاضي.. وحتى للعامل في الورشة.. لكن لاول مرة أعرف إن للوزير أيضًا لباس للعمل)!
في خضم التراشق السياسي المعتاد بين الطلاب.. احتج أحدهم قائلًا: (حكومة نميري نظام ديكتاتوري، جميع الطلاب ضده.. كيف سمحت لكم أنفسكم بعقد مؤتمر في قاعة رسمية في ظل هذا النظام الظالم؟)
رددت عليه من المنصة: (أنا أحرص منك وأكثر منك استعجالًا لإسقاط نظام نميري..) وبحركة مسرحية نظرت إلى ساعتي وواصلت: (ولكن إلى أن نسقطه، دعونا نكمل مؤتمرنا هذا). وضجت القاعة بالضحك..
المهم في الأمر.. عقدنا هذا المؤتمر الطلابي في مقر الجمعية التأسيسية التاريخي.. المكان ذاته الذي شهد جلسة البرلمان لإعلان استقلال السودان في 19 ديسمبر 1955.. والمكان الذي عُقد فيه مؤتمر القمة العربي الشهير (مؤتمر اللاّءات الثلاث). منصة تحدث منها الأزهري والمحجوب وجمال عبد الناصر والملك فيصل وملكة بريطانيا والأميرة آن وغيرهم من رموز التاريخ.
نميري شيّد مقرًا جديدًا للبرلمان – وليته ما فعل – على شاطئ النيل الأبيض (المقر الحالي).. وترك المقر القديم للبرلمان لا يدل عليه إلا أحد أشهر شوارع الخرطوم الذي سُمي عليه (شارع البرلمان).
وذهب نظام نميري.. وجاءت الانتفاضة.. وسوار الذهب.. ثم الحكومة التعددية برئاسة السيد أحمد الميرغني ورئاسة الوزراء الصادق المهدي.. ثم جاءت الإنقاذ..
وتفتقت فكرة جهنمية.. سأحكيها لكم..
أعود إلى أول الموضوع: أخذت معي مصوّرَين بكاميرات تصوير فيديو حديثة وذهبت أبحث عن أطلال مقر البرلمان القديم..
لم أجد القاعة التاريخية التي حكيت لكم عنها.. ولا مقاعدها التي تشبه تمامًا مقاعد البرلمان الإنجليزي في لندن.. باختصار: لا شيء بمعنى الكلمة..
ولاية الخرطوم حولتها إلى قاعة للمجلس التشريعي للولاية.. حكّموا القاعة التاريخية وأبدلوها بأخرى بائسة إلى أبعد مدى، أشبه بصالة أفراح فقيرة في قرية صغيرة. سألت أحد المسؤولين وجدته في المكان: أين البرلمان القديم؟
رد بمنتهى الارتياحية: أُزيل تمامًا.
حسنًا، أين مقاعد النواب والمنصة التاريخية العالية التي كان يجلس عليها رئيس البرلمان؟
رد بنفس العفوية: لا شيء، كلها أُزيلت.
هل نُقلت إلى مخزن؟
لا.. لا أحد يعلم عنها شيئًا.. قد تكون أُلقيت في المهملات واستفاد منها نجار في صناعة أبواب وشبابيك لمنزله.
كأنني في كابوس لا أكاد أصدقه.. سألته: أين أرشيف الصور التاريخية التي كانت مخزنة في البرلمان؟قال: أتلفتها الأمطار.. ولا نعلم عنها شيئًا.. لكن هناك بعضها قد تجده ملقى في تلك الصالة..
أشار إلى صالة، ذهبت ووجدت فعلًا صورًا تاريخية قليلة جدًا.. يبدو أنها تنتظر دورها لتتلف أو تضيع.
صورتها بكاميرا الموبايل معي.. وطلبت من أحد المصورين المرافقين تصويرها بالفيديو.
وقفت لا أعرف ماذا أفعل.. هذا مشهد لا يُصدَّق.. تذكرت البرلمان الألماني الذي زرته مرتين.. حتى شخبطة الجنود الروس وهم يدخلون برلين عند انتصارهم على هتلر.. كتبوا فيها بعض الإساءات.. مع ذلك لم تُمسح.. بل طُليت بمادة حافظة حتى لا تتأثر بمرور الزمن.
أبواب البرلمان تظل مفتوحة حتى منتصف الليل لاستقبال السياح الذين يبلغ عددهم أكثر من 50 ألفًا في اليوم الواحد.. من كل أنحاء العالم..
للتاريخ قيمته وثمنه..
قلت للمصورين معي: انتظراني هنا.. دعوني أدخل لمشاهدة جلسة البرلمان المنعقدة..
تسللت بهدوء من الباب الخلفي للقاعة وبحثت عن مقعد في آخر القاعة حتى لا أشوّش على النواب أثناء الجلسة..
وكانت المفاجأة..
رئيس البرلمان لاحظ وجودي فقطع الجلسة وقال:(نرحب بالأستاذ عثمان ميرغني الذي يبدو أن أهمية الموضوع الذي نناقشه اليوم دفعته للحضور شخصيًا)..
والواقع أنني لا أعرف أصلًا موضوعهم اليوم..
استمرت الجلسة.. لأجد بعد قليل أحد موظفي المراسم يقف بجانبي ويطلب مني مرافقته إلى المقاعد الأمامية المخصصة للوزراء.. قال إن رئيس المجلس أمره بذلك..
اضطررت للامتثال، ذهبت معه إلى مقدمة القاعة وأصبحت مواجهًا مباشرة للمنصة التي عليها رئيس المجلس.. كانت الجلسة مخصصة لمناقشة قانون يتعلق بتنظيم الأسواق في الخرطوم.
انتهت الجلسة.. دعوني لتناول الغداء معهم.. اعتذرت وعدت إلى مكتبي في صحيفة التيار.

#حديث_المدينة الأحد 8 مارس 2026

Exit mobile version