العيد فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى

العيد فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى
عيدٌ بأيِّ حالٍ عدتَ يا عيد: الطفولة حين تصنع المعنى

على الرغم من قسوة الظروف الاقتصادية التي تمرّ بها بعض المجتمعات يظلّ العيد حدثًا أستثنائيًا لا يُقاس بوفرة المال، بل بوفرة المعنى. ولعلّ أكثر من يدرك ذلك هو من عاش العيد طفلًا في بيئة بسيطة، حيث كانت التفاصيل الصغيرة تُصنع منها ذاكرةٌ كبيرة.

في طفولتنا، لم يكن العيد يُختزل في ملبسٍ جديد أو مائدة عامرة، بل كان طقسًا متكاملًا يبدأ منذ “يوم الوقفة”، الحلاقة في سوق الموردة لم تكن مجرد تهذيب للشعر، بل كانت إعلانًا مبكرًا لبدء الفرح. والجلوس في دكان حاج حمد، وسط وجوهٍ مألوفة (ابى وحاج حمد صاحب الدكان وعم محجوب والد عمر زورو) وأحاديث دافئة، كان جزءًا من نسيج اجتماعي متماسك، تُعبّر فيه “حفنة تمر يعطينى اباها حاج حمد لازلت اتذكر مذاقها” عن معنى الكرم والانتماء أكثر من أي مائدة فاخرة.

الطفل لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يشعر بها. لذلك تبقى في الذاكرة تفاصيل قد تبدو عابرة للكبار: لعبةٌ أُوقِفَت فجأة، أو موقفٌ بسيط مع معلّم، أو طعمٌ لا يُنسى. هذه التفاصيل، في حقيقتها، هي اللبنات الأولى لتشكيل الوجدان.
ثم يأتي فجر العيد، حيث تختلط الروحانيات بالتأمل الوجودي. زيارة المقابر لم تكن مجرد عادة، بل كانت أول احتكاك حقيقي بأسئلة الحياة والموت ،نتحرك بالبص الاخضر من امام دكان الشيخ الكامل البص يحمل النساء والصغار . الطفل الذي يقف أمام قبر، لا يفهم الموت كفكرة نهائية، بل كبداية لتساؤلات عميقة: ماذا يحدث هنا؟ كيف يكون البعث؟ ما الذي يجري في هذا الصمت؟ هذه الأسئلة، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تمثل البذرة الأولى للفكر الفلسفي والوعي الإنساني.فى مقابر حمد النيل تقف اى امراة امام قبر من فقدته من الاعزاء اب كان ام اخ او اخت او زوج.،وتقوم بتقسيم الصدقات لمن حولها.بعد ذلك مع شروق الشمس نرجع للحى ونجد ان الرجال قد بداو فى الاستعداد لصلاة العيد.

أما صلاة العيد، فهي مشهد تتكامل فيه الرمزية الأجتماعية مع الجلال الديني. تكبيرات تتردد في الأفق يتقدمها صوت العم التوم عبد الجليل والعم صديق سطيح، صفوف تنتظم في هيبة، ووجوه يكسوها الوقار. ثم خطبةٌ لا تُلقى فقط، بل تُحفظ، وتُردَّد، وتتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة الجمعية.لايزال عالق بذاكرتى مشهد دخول الامام الفكى احمد وصوت عم صديق الصلاة قائمة فيصطف الجميع ويمر الفكى امام الصف الاول كنبلاء العصور الاوسطى ويبدا الصلاة ركعتان بتكبيراتهم الكثيرة،ثم يعقبهما خطبة العيد التى كنت احفظ كل كلماتها واستمتع جدا عندما يقول الامام رافعا عقيرته : اما عند ابوحنيفة(ويعنى زكاة الفطر).وعندما يصل الخطيب لجزء معين من الخطبة يرفع سليمان الفكى والفاضل خميس وعبد العزيز الصيادى عقيرتهم ككورال او اوبرا ايطالى(يا … ولد) فيسرع كمية من الشباب داخل حوش الفكى ويخرج كل واحد وفى يده صحن كبير به عصيدة ونصفه ملاح روب والنصف الاخر ملاح تقلية ويقوم بتوزيعها بين الصفوف

حتى اللحظات التي قد تبدو طريفة — كنداء “يا ولد!” وانطلاق الصغار لجلب الطعام — كانت تعكس نظامًا اجتماعيًا دقيقًا، تُوزّع فيه الأدوار بعفوية، ويُدار فيه الجمع بروح الجماعة لا بروح الفرد. بعد نهاية مراسيم الصلاة تبدا المعايدة،المعايدة بدورها، لم تكن مجرد تبادل عبارات، بل كانت تأكيدًا على ترابط المجتمع. الدخول إلى البيوت دون استئذانٍ رسمي، وتناول الطعام في أكثر من منزل، والشعور بأن الحيّ كله أسرة واحدة… كل ذلك كان يرسّخ معنى “الأمان الاجتماعي” الذي تفتقده كثير من المجتمعات الحديثة.جرت العادة ان نتناول كل اهلنا بمنزل عبد القادر وعمر يوسف ابناء عمتى رقية واخواتها الجلاد والجنة.بعدها نمر على كل بيوت الحى مستمتعين بالحلوى والتمر ودف العلاقات الانسانية.

من منظور نفسي، يمكن القول إن ذكريات العيد في الطفولة ليست مجرد حنين، بل هي “مخزون وجداني” يُعيد تشكيل استجابتنا للحياة في الكِبَر. فالقشرة الأمامية للمخ تستند في قراراتها العاطفية والسلوكية على تلك الخبرات المبكرة. لذلك، حين يمرّ الإنسان بظروف قاسية، يعود لا شعوريًا إلى تلك الذاكرة، يستمد منها التوازن والطمأنينة.
أما من منظور اجتماعي، فإن تلك الطقوس البسيطة كانت تمثّل نظامًا متكاملًا للتكافل، يُغني عن كثير من التعقيدات المؤسسية الحديثة. لم يكن هناك تخطيط استراتيجي، لكن كان هناك وعي جمعي عميق بوظيفة العيد: إعادة ترميم العلاقات، وتجديد الروابط، وإحياء المعنى.

يبقى السؤال: لماذا لم يعد العيد كما كان؟
ربما لأننا، حين كبرنا، فقدنا القدرة على رؤية الأشياء بعين الطفل. أصبحنا نُحمّل العيد أكثر مما يحتمل، ونقيسه بمعايير مادية لا علاقة لها بجوهره. بينما الحقيقة أن العيد لم يتغير كثيرًا… نحن الذين تغيّرنا.
فالطفولة لم تكن مجرد مرحلة عمرية، بل كانت طريقة في الإدراك: البساطة، الدهشة، والقدرة على تحويل القليل إلى الكثير.
ولهذا، كلما عاد العيد، لا يعود كما كان… لكنه يوقظ فينا ذلك الطفل، الذي ما زال، في مكانٍ ما داخلنا، ينتظر “حفنة تمر” ومزيدا من التوازن والطمأنينة.
بروف ابشر حسين




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.