حين تتصادم السياسات: من يبني المطارات… ومن يهدم تمويلها؟

حين تتصادم السياسات: من يبني المطارات… ومن يهدم تمويلها؟

إبراهيم عدلان

في لحظةٍ تتطلع فيها البلاد إلى استعادة عافيتها الاقتصادية، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الأخيرة حول بناء المطارات ودعم قطاع الطيران المدني كنافذة أمل، تعكس إدراكًا متأخرًا لأهمية هذا القطاع الحيوي كرافعة للنمو، ومصدرٍ سياديٍ للعملات الصعبة، وجسرٍ يربط السودان بالعالم.

لكن، وعلى أرض الواقع، تقف سياسات وزارة المالية – خاصة منذ تعديلات 2023 – في الاتجاه المعاكس تمامًا.

وهنا يبرز السؤال الصعب:
كيف يمكن لدولة أن تبني مطارات… وهي في ذات الوقت تهدم الأساس المالي الذي يقوم عليه قطاع الطيران؟

وعود على الورق… وقيود في الواقع

تصريحات رئيس الوزراء حملت رسائل واضحة:
• تطوير البنية التحتية للمطارات
• استعادة دور السودان كممر جوي إقليمي
• تعظيم عائدات رسوم عبور الأجواء
• دعم قطاع الطيران كمحرك اقتصادي

وهي أهداف لا يختلف حولها اثنان، بل تتسق تمامًا مع فلسفة منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، التي تقوم على أن:

إيرادات الطيران يجب أن يعاد استثمارها داخل القطاع نفسه لضمان الاستدامة والكفاءة.

غير أن هذه الرؤية تصطدم مباشرة بما نفذته وزارة المالية.

وزارة المالية: سحب الوقود من المحرك

منذ عام 2023، اتخذت وزارة المالية – في عهد جبريل إبراهيم – سلسلة من الإجراءات التي يمكن وصفها بأنها تفكيك ممنهج لاستقلال الطيران المدني، أبرزها:

1. مصادرة الإيرادات

تم تحويل رسوم عبور الأجواء من مورد مخصص لقطاع الطيران إلى الخزينة العامة.

النتيجة:
• توقف التمويل الذاتي للقطاع
• عجز عن تحديث أنظمة الملاحة
• تأجيل صيانة البنية التحتية

2. إخضاع القطاع لأولويات لا تخصه

أصبحت أموال الطيران تُصرف وفق أولويات عامة لا علاقة لها بالطيران، مثل:
• دعم السلع
• مرتبات قطاعات أخرى

وهذا يخالف صراحة مبدأ:

User Charges vs Taxes
حيث تُعتبر رسوم العبور مقابل خدمة، وليست ضريبة سيادية.

3. تجريد الطيران من استقلاله

تم تقليص صلاحيات سلطة الطيران المدني ومجلس إدارتها، لتصبح أقرب إلى وحدة تنفيذية خاضعة لوزارة المالية.

وهذا التحول يضرب جوهر:
• الحوكمة الرشيدة
• الفصل بين الرقابة والتنفيذ
• الاستقلال المؤسسي

4. التحكم في النقد الأجنبي

إدخال عائدات الطيران ضمن سياسات النقد الأجنبي حرم القطاع من:
• استخدام موارده الدولارية
• تمويل احتياجاته الفنية العاجلة

التناقض الصارخ: سياسة بيد… وأخرى تنقض

ما بين خطاب رئيس الوزراء وممارسات وزارة المالية، تتجلى مفارقة لا يمكن تجاهلها:
• الحكومة تعلن دعم الطيران
• المالية تسحب موارده
• الدولة تخطط لبناء مطارات
• لكنها تجفف مصادر تمويلها
• تصريحات تدعو للنهضة
• وسياسات تعيد القطاع إلى الوراء

إنها ببساطة:

معادلة مختلة… لا يمكن أن تنتج إصلاحًا حقيقيًا

النتائج: تراجع لا نهضة

استمرار هذه السياسات يعني عمليًا:
تعطيل مشاريع المطارات
تدهور خدمات الملاحة الجوية
ضعف معايير السلامة
فقدان ثقة شركات الطيران الدولية
إهدار أحد أهم مصادر النقد الأجنبي

والأخطر من ذلك:

إخراج السودان من المنظومة العالمية للطيران الحديث

الطريق إلى الإصلاح: إعادة الأمور إلى نصابها

إذا كانت هناك جدية حقيقية في تنفيذ ما أعلنه رئيس الوزراء، فلا بد من:

أولاً: إعادة تخصيص الإيرادات
• عودة رسوم العبور كاملة لقطاع الطيران
• إنشاء حسابات مستقلة مخصصة

ثانياً: استعادة الاستقلال المالي
• فصل الطيران المدني عن وزارة المالية
• تمكين مجلس الإدارة من صلاحياته

ثالثاً: الالتزام بمعايير ICAO
• تطبيق مبدأ استرداد التكلفة (Cost Recovery)
• عدم تحويل الرسوم إلى ضرائب

رابعاً: إصلاح هيكلي شامل
• إعادة تعريف دور الدولة كمنظم لا كمسيطر مالي
• الفصل بين الوظائف الرقابية والتشغيلية

كلمة أخيرة

إن بناء المطارات لا يبدأ بالإسفلت والخرسانة…
بل يبدأ ببناء نظام مالي مستقل وعادل.

وإن دعم قطاع الطيران لا يتحقق بالتصريحات…
بل بـ حمايته من التدخلات التي تُفرغه من موارده.

أما استمرار هذا التناقض، فسيجعل من كل حديث عن تطوير الطيران مجرد:

أحلام معلقة في الهواء… بلا أجنحة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.