مجلس إدارة الطيران المدني القادم: استعادة الشرعية وحماية الكادر

مجلس إدارة الطيران المدني القادم: استعادة الشرعية وحماية الكادر
إبراهيم عدلان
في لحظة مفصلية من تاريخ الطيران المدني، لم تعد قضية تشكيل مجلس إدارة جديد مجرد إجراء إداري، بل أصبحت مدخلاً لإعادة تأسيس القطاع على أسس قانونية ومهنية سليمة، بعد أن تعرضت سلطته واستقلاله لتآكل واضح بفعل تدخلات وزارة المالية، خاصة منذ تعديلات 2023.
إن المجلس القادم لا يُنتظر منه أن يدير الواقع القائم، بل أن يُصحح الانحراف المؤسسي، ويستعيد للدولة التزاماتها الدولية، وللمؤسسة كرامتها، وللعاملين حقوقهم.
أولاً: مجلس يؤسس… لا يُجامل
المجلس القادم يجب أن يُبنى على ثلاث ركائز لا تقبل المساومة:
1. الاستقلالية الكاملة
استقلال عن:
• وزارة المالية
• التدخلات السياسية
• أي وصاية غير فنية
فمجلس بلا استقلال هو مجرد واجهة، لا يملك قراراً ولا يصنع إصلاحاً.
2. التخصص لا المحاصصة
يجب أن يضم:
• خبراء ملاحة جوية
• مختصين في السلامة الجوية
• قانونيين في الطيران الدولي
• خبراء اقتصاد النقل الجوي
لأن الطيران المدني لا يُدار بالترضيات، بل بالكفاءة والمعرفة.
3. الفصل بين الرقابة والتشغيل
من أخطر اختلالات المرحلة السابقة تداخل الأدوار بين:
• الجهة الرقابية
• والجهات التشغيلية
وهو ما يتطلب إعادة ضبط مؤسسي صارم يمنع تضارب المصالح ويعيد وضوح المسؤوليات.
ثانياً: الأولوية الحاسمة… استعادة الدور القانوني
المجلس القادم مطالب، منذ يومه الأول، بخوض معركة واضحة:
استعادة السلطة القانونية المسلوبة
1. استرجاع السيطرة على رسوم العبور
رسوم العبور هي:
مقابل خدمات ملاحية وليست مورداً سيادياً
وعليه يجب:
• إلغاء أي استقطاع لصالح وزارة المالية
• إعادة توجيه الإيرادات بالكامل لدعم خدمات الملاحة الجوية
2. استعادة السيطرة على لائحة شروط الخدمة
أحد أخطر ما حدث هو سحب صلاحية المجلس في إدارة لائحة شروط الخدمة، مما أدى إلى:
• إضعاف الاستقرار الوظيفي
• تقييد التوظيف والترقيات
• إخضاع قطاع فني متخصص لقواعد عامة لا تناسب طبيعته
وهو ما يجب تصحيحه فوراً عبر:
• إعادة إصدار لائحة مستقلة
• مواءمتها مع المعايير الدولية
• ضمان العدالة المهنية والاستقرار الوظيفي
3. حماية مكتسبات العاملين
العاملون في الطيران المدني ليسوا موظفين تقليديين، بل هم:
عنصر السلامة الأول في المنظومة الجوية
وأي مساس بحقوقهم يؤدي إلى:
• تسرب الكفاءات
• تراجع الأداء
• تهديد مباشر للسلامة الجوية
لذلك يجب:
• تثبيت الحقوق المكتسبة
• مراجعة وإلغاء أي انتقاص تم بعد 2023
• ربط الحوافز بالأداء والسلامة
4. إرجاع حق تصديق التدريب لمجلس الإدارة
سحب هذه الصلاحية أدى إلى:
• تعطيل برامج التدريب
• تقييد الابتعاث
• إضعاف التأهيل المستمر
في قطاع يعتمد على التحديث المستمر، فإن التدريب ليس رفاهية بل:
شرط أساسي للسلامة
لذلك يجب:
• إعادة تفويض المجلس الكامل في اعتماد التدريب
• تمكينه من إقرار خطط التأهيل والابتعاث
• تخصيص ميزانيات مستقلة للتدريب
ثالثاً: مواجهة الخلل… بعقل الدولة
القضية ليست صراعاً بين مؤسسات، بل تصحيح لمسار مختل.
وعليه يجب أن يتحرك المجلس عبر:
مسار قانوني
• الطعن في التعديلات المخالفة
• الاستناد إلى الاتفاقيات الدولية
مسار دولي
• مخاطبة منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)
• طلب رأي فني يدعم استقلالية القطاع
مسار اقتصادي
• إثبات أن إضعاف القطاع سيؤدي إلى:
• فقدان الإيرادات
• تراجع حركة العبور
• الإضرار بسمعة الدولة
رابعاً: مجلس يصنع المستقبل
إلى جانب استعادة الحقوق، يجب أن يقود المجلس:
• إعادة بناء الثقة مع شركات الطيران
• تحديث أنظمة الملاحة الجوية
• الاستثمار في الكادر البشري
• إعادة السودان إلى موقعه الطبيعي كممر جوي إقليمي مهم
خاتمة: اختبار الإرادة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تشكيل مجلس:
• ضعيف
• متردد
• أو صامت
لأن الصمت في هذه المرحلة يعني القبول باستمرار الانحراف.
المطلوب هو مجلس:
يملك الشجاعة لاستعادة الحق، لا التكيف مع فقدانه
فالتاريخ لا يخلد من جلسوا على المقاعد،
بل من أعادوا للمؤسسات هيبتها…
وللقطاع روحه…
وللقانون سلطته.



