مزمل أبو القاسم: مافيا الوقود.. و فساد الدولة!

سودافاكس ـ لم أجد حكومةً تبارى الناس في ذمها وقدحها ورصد عجزها عن أداء مهامها كالحكومة الحالية، مع أن ميلادها حظي بدعمٍ كبير وتفاؤلٍ أكبر من الغالبية العظمى لأهل السودان، الذين خُذلوا فيها بسبب فشلها في توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم لهم، أو تخفيف معاناتهم من حربٍ دخلت منازلهم وغزتهم في غرف نومهم و سلبتهم كل ممتلكاتهم وأموالهم وأفقرت ثلثي أهل السودان وحوّلتهم إلى نازحين ولاجئين ومشردين!
*لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة، بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم، والناظر إلى ما يحدث في ملف الطاقة تحديداً يرى أبرز سوءات حكومة (الألم)، التي تُصِر _عبر وزارة الطاقة والمؤسسة السودانية للنفط_ على السيطرة على واردات الوقود وتقسيم كعكة الاستيراد على الشركات الحكومية والخاصة، بنهجٍ محير، يصحبه الكثير من المحسوبية المؤدية للفساد!
*يمثل الوقود أهم سلعة استراتيجية للدولة (والعالم أجمع)، وإدارته لا تحتمل المجاملة ولا المحسوبية ولا يصح مطلقاً أن يترك نهباً لكارتيلات الفساد لأنه يتحكم في كل شيء، بدءاً بالزراعة والصناعة والترحيل وكل قطاعات الإنتاج، ويتحكم في مفاصل الاقتصاد ويدخل في أدقّ تفاصيل معاش الناس، في كل زمانٍ ومكان.
*لا أحد يدري سبب إصرار الدولة (ممثلةً في وزارة الطاقة) على حشر أنفها في موضوع الاستيراد، ولا نعلم لماذا تتمسك بوضع تسعيرة للمواد البترولية بدلاً من تحرير السوق وتركه لآليات العرض والطلب بنهجٍ تسوده الشفافية ويحكمه التنافس الحُر، بعد أن أثبتت التجارب المعاشة نجاح تلك السياسة وإسهامها في خفض الأسعار وتقليص الأرباح المهولة التي تكسبها الشركات المستوردة.
*إذا كانت الدولة مُصرة على التحكم في أمر استيراد الوقود فعليها أن تصحح نهجها الحالي وتعلن عطاءات للاستيراد، ينال بها صاحب السعر الأدنى حظوة الاستيراد لا أن تقسم كعكة الوارد بين الشركات الحكومية والخاصة ليرتفع هامش ربح الباخرة الواحدة من 40 إلى 60%‎ كما يحدث الآن، ليدفع المواطن الغلبان ثمن ذلك الجشع الفظيع (والفساد الكريه بتواطؤ معلن من الوزارة مع المستوردين) خصماً على قوت يومه ومعاش أبنائه.
*إذا قبلنا إصرار الحكومة على منح شركات القطاع العام حظوة احتكار نصف الكمية المستوردة (بتوجه غير منطقي ولا مبرر)، فعليها أن تلزم الشركات الخاصة بالدخول في عطاءات لنسبتها المقررة (50‎%)، لأن هبوط الأسعار لن يحدث إلا بالوفرة، والسياسة الحالية تؤدي إلى نُدرة دائمة، وتساعد على طيران أسعار الوقود!
*هل تعلم أن وزارة الطاقة تسمح لشركات لا تمتلك ولا محطة توزيع واحدة ولا تستند إلى أي بنيات أساسية باستيراد الوقود؟
*هل تعلم أن محطات الوقود تربح في التانكر الواحد 12 مليون جنيه (بالقديم) حالياً؟
*هل تعلم أن الوزارة لا تطالب الشركات المستوردة بتوضيح أسعار الشراء قبل الاستيراد؟
*هل تعلم أن أرباح باخرة الغاز هبطت إلى 1 إلى 2‎ % عندما تم تطبيق سياسة التحرير، وأن آخر باخرة دخلت البلاد (بواسطة شركة جازكو) ارتفعت أرباحها بسبب سياسة التسعير إلى 15%‎؟
*هل تعلم أن إصرار الوزارة على توزيع تصاديق استيراد الغاز بالقطارة تسبب في ندرة شديدة وأدى إلى تصاعد مهول في أسعار الغاز؟
*هل تعلم أن وزارة الطاقة وافقت على الزيادات الأخيرة للوقود، بينما رفضها جهاز الأمن (ممثلاً في إدارة الأمن الاقتصادي) وعطل تنفيذها، وكانت المحصلة تحدي الشركة التي استوردت الباخرة الأخيرة له ورفضها قراره لعلمها بعدم وجود منافس لها؟
*هل تعلم أن نسبة أرباح باخرة الوقود كانت تتراوح بين 3 إلى 7 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب، وأنها قفزت لتصل ما بين 40 إلى 60%‎ حالياً؟
*تسببت سياسة تحرير الوقود في توفير السلعة بكميات كبيرة وأدت إلى هبوط الأسعار لتتراجع نسبة أرباح الباخرة إلى 1‎% أحياناً، لكن وزارة الطاقة لم يعجبها ذلك الوضع فتدخلت وأعادت هيمنتها على قطاع النفط، وقسمت الشركات المستوردة إلى مجموعات، وقضت على المنافسة، وأعادت السوق إلى عهود النُدرة وكانت المحصلة الطبيعية لتلك السياسة الخرقاء ارتفاعاً مهولاً في الأسعار (والأرباح) على حد السواء!
*للأسف تم تسجيل شركات ليس لديها الحد الأدنى من مقومات العمل في سوق البترول.. شركات عبارة عن ورق فقط، تقوم بالاستيراد وتسيطر على السوق بلا منافسة نتيجةً لتحجيم شركات أخرى تمتلك بنيات أساسية متكاملة (محطات توزيع وخزانات وأساطيل نقل وغيرها) وربطها بالجدول لتذبح المواطن المسكين بأرباح ضخمة تصل إلى 100%‎ أحياناً تحت بصر وزير الطاقة ورئاسة الوزراء ومجلس السيادة!
*استمرار الوضع الحالي في قطاع الوقود سيؤدي إلى انهيار الدولة، وسيضاعف معاناة المواطنين من الفقر المصاحب لارتفاع الأسعار، لذلك نتوقع من مجلس السيادة التدخل لتصحيح هذا الخلل البائن والمهدد الخطير، والمبادرة بالقضاء على الفساد الذي باض وأفرخ في قطاع الطاقة.. رأفةً بالمواطنين المسحوقين وإنقاذاً للدولة نفسها من خرابٍ ودمارٍ وانهيار.. لم تفعله بها مليشيا آل دقلو بحربها المجموعة وقسوتها المفرطة وإجرامها غير المسبوق.. ألا قد بلغت اللهم فاشهد .

مزمل أبو القاسم

Exit mobile version