نيابة حماية المستثمر
عثمان ميرغني
المستثمر ليس حصرًا على من يملك مشروعات بملايين الدولارات، بل يشمل هذا الوصف أي شخص يعمل في القطاع الخاص، من بائع الرصيد على ناصية الشارع إلى مجموعة اقتصادية شهيرة في مقام “دال” مثلاً. كلهم مستثمرون يتفقون في الصفة ويختلفون في المقدار.
يمكن تقسيم الاستثمار إلى خمس درجات: أعمال صغيرة جدًا، وأعمال صغرى، وأعمال متوسطة، وأعمال كبرى، وأعمال عملاقة (Mega).
رغم التفاوت الكبير بين هذه الدرجات، إلا أن خيطًا واحدًا ينتظمها جميعًا: كونها أعمالًا خاصة تعتمد على المجتمع وتساهم في ازدهار الدولة. كلما زاد عدد المستثمرين في الدرجات الخمس، زاد النشاط الاقتصادي وانعكس ذلك إيجابًا على الوطن والمواطن.
لكن في السودان، يُعامل المستثمر – في كل الدرجات الخمس – كفريسة يتربص بها صياد ماهر، والسلاح الذي يصطاد به هو الإجراءات الحكومية.
مهما كان المستثمر متقنًا لعمله، ومهما كان مدججًا بترسانة من رأس المال والعملة الصعبة، فإن كل ذلك يصطدم بموظف صغير قد لا يملك في الدنيا غير قلم “بيج” يوقع به على أوراق، وبدون توقيعه لا تقوم للمشروعات قائمة. هذا “الأفندي” الكسول الذي يعمل نصف ساعة من أصل ثماني ساعات دوام، لا يحتاج إلى خبرة ولا ذكاء ولا شهادة علمية ليعطل مشروعًا بمليارات الدولارات دون أن يطرف له جفن.
من المشاهد المحزنة أن ترى كبار المستثمرين يقفون أمام “الأفندية” مطأطئي الرؤوس، يبذلون أقصى ما يستطيعون من إظهار الخضوع لإرادة هذا الموظف، ويدفعون عن يد وهم صاغرون أموالاً طائلة لإرضاء نهمه، حتى لا يقف عائقًا أمام مشروعاتهم، في لعبة الأوراق والتوقيعات السهلة.
كل ما يتعرض له المستثمرون معلوم للجميع، من أعلى هرم الدولة إلى أبسط مواطن في الشارع. وظلت الحكومات المتعاقبة تسرف في الحديث عن تسهيل إجراءات الاستثمار وتوفير بيئة جاذبة للمستثمر، على مدى عشرات السنين، ولم تزد الأوضاع إلا سوءًا.
من الحكمة أن تفكر الدولة جديًا في إنشاء “نيابة حماية المستثمر”، لا لتكون مجرد درع واقٍ يتيح للمستثمر طريقًا خاليًا من الأشواك فحسب، بل ليدرك كل موظف أو جهة رسمية أو غير رسمية أنها ستقع تحت طائلة القانون إذا تعرضت للاستثمار أو المستثمرين.
مثال ذلك:
مستثمر يحق له أن يحصل على قطعة أرض وفق قانون الاستثمار، فيظل يتردد على الجهات المعنية، وفي كل مرة تُبذل له الأعذار وتُنصب له الشباك. هنا لا يكفي التدخل لمنحه قطعة الأرض فقط، بل يجب فتح بلاغ جنائي في الموظف أو الجهة التي ماطلت في الإجراء، وتحويل القضية إلى القضاء لمحاسبة ومعاقبة الموظف.
بعبارة أخرى، تقوم نيابة حماية المستثمر بمباشرة إجراءات جنائية ضد أي موظف أو جهة تعطل إجراءات الاستثمار، حتى ولو لم يكن في التعطيل مكاسب مالية مباشرة للموظفين، لأن الزمن له قيمة أيضًا مثل المال.
كما يحق للمستثمر فتح بلاغ لدى هذه النيابة إذا أحس بتعطيل متعمد أو إهمال أو تراخٍ في أي إجراء يتعلق بمشروعه، أو حتى مجرد تهديد أو وعيد من موظف أو جهة.
لقد رأينا كيف وصل الحال إلى أن تتولى جهة ما تحريض المواطنين على حرق مشروعات استثمارية كاملة، كما حدث لأحد مشروعات رجل الأعمال ربمعاوية البرير في ولاية سنار، أو التحرش اللفظي كما حدث لرجل الأعمال السعودي الشيخ سليمان الراجحي، أو ابتزاز الذين حصلوا على تراخيص أراضٍ بحجج “أرض الجدود”، ومنعهم من استلام أراضيهم إلا بعد دفع إتاوات.
من الحكمة أن تشرع الدولة فورًا في إنشاء “نيابة حماية المستثمر”.
#حديث_المدينة الثلاثاء 14 أبريل 2026
