المؤسسات الحكومية السودانية: استراتيجية “الجباية” في مواجهة “الكفاءة”: قراءة في تداعيات زيادة رسوم تراخيص الطيران المدني نموذجًا
كتب: سامي محمد الأمين
يُعد العنصر البشري المؤهل والمرخص له في قطاع الطيران المدني، بموجب الملحق الأول لاتفاقية شيكاغو (Annex 1)، الركيزة الأساسية التي تضمن سلامة وأمن الأجواء وكفاءة العمليات الجوية. إن الطيارين، ومهندسي الصيانة، وأطقم الضيافة، والمرحلين الجويين، وضباط العمليات، والمراقبين الجويين، ومشغلي أجهزة الكشف الأمني، والفنيين المتخصصين، ليسوا مجرد أفراد يؤدون وظائفهم، بل هم “أصول استراتيجية” لا تُقدَّر بثمن. ولقد استثمرت الدولة والقطاع الخاص بسخاء في تدريب وتأهيل هذه الكوادر للوصول بهم إلى مستويات عالية من الكفاءة والاحترافية التي تتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة.
وتُعد الرخصة المهنية، في هذا السياق، بمثابة “صك العبور” الذي يُخوِّل لحاملها ممارسة هذه المهن الحساسة، وهي وثيقة تخضع لضوابط دولية صارمة لضمان استمرارية الصلاحية والكفاءة.
ومن زاوية أخرى، تؤكد منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) في وثيقتها المرجعية (Doc 9082) – سياسات الإيكاو بشأن الرسوم في المطارات وخدمات الملاحة الجوية – على مبدأ جوهري يجب أن تستند إليه جميع الرسوم التي تفرضها سلطات الطيران المدني، وهو مبدأ “استرداد التكلفة” (Cost Recovery). هذا المبدأ ليس مجرد توصية، بل هو إطار عمل يهدف إلى ضمان أن تكون الرسوم المفروضة عادلة وشفافة وغير تمييزية، وأن تعكس التكاليف الفعلية لتقديم الخدمات المعنية. ووفقًا لهذا المبدأ، يجب أن تغطي الرسوم فقط التكاليف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتقديم الخدمة، مثل تكلفة طباعة الرخصة، والتدقيق الإداري للمستندات، وتكاليف إجراء الاختبارات النظرية والعملية، وتكاليف الإشراف والرقابة لضمان الامتثال للمعايير. ولا ينبغي، بأي حال من الأحوال، أن تُستخدم هذه الرسوم كأداة لتحقيق أرباح، أو لتمويل عجز في الميزانية العامة على حساب العاملين في القطاع. إن الهدف هو تغطية التكاليف التشغيلية والإدارية الضرورية للحفاظ على نظام ترخيص فعال وآمن، وليس تحصيل إيرادات إضافية تتجاوز هذا الغرض.
إن الإجراءات المتبعة في استخراج أو تجديد الرخصة هي، في جوهرها، إجراءات إدارية وفنية روتينية. فالتكلفة الفعلية لإصدار بطاقة بلاستيكية أو ورقية تحمل بيانات الرخصة، أو لتنفيذ تدقيق ورقي للمستندات، أو حتى لتنظيم امتحان، لا تتجاوز جزءًا يسيرًا من المبالغ التي تم فرضها مؤخرًا. هذا التباين بين التكلفة الفعلية للخدمة والرسوم المفروضة يجعل هذه الزيادات تفتقر، ربما، إلى السند القانوني والفني الدولي، ويضعها في خانة “الجباية” التي لا تتوافق مع أفضل الممارسات العالمية.
فقد كشفت جداول الرسوم الصادرة عن سلطة الطيران المدني لعام 2025 عن زيادات “غير مسبوقة” لا تستند إلى أي منطق اقتصادي أو إداري، وتتجاوز بمراحل معدلات التضخم. هذه الزيادات، التي وصلت في بعض البنود إلى مستويات صادمة، يمكن تفصيلها على النحو التالي:
تراخيص الأفراد (إصدار وتجديد):
شهدت رسوم إصدار وتجديد الرخص الأساسية زيادات هائلة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت رسوم رخصة الطيار الطالب (SPL) من 20,000 جنيه في عام 2024 إلى 150,000 جنيه في عام 2025، بزيادة قدرها 650%. أما رخصة الطيار الخاص (PPL)، فقد قفزت من 50,000 جنيه إلى 200,000 جنيه، بزيادة بلغت 300%. ولم تسلم الرخص الأكثر تخصصًا من هذه الزيادات، حيث ارتفعت رخصة الطيار التجاري (CPL) بنسبة 150% لتصل إلى 250,000 جنيه، ورخصة طيار الخط الجوي (ATPL) بنسبة 233.3% لتصل إلى 500,000 جنيه. كما ارتفعت رسوم رخصة مهندس صيانة الطائرات (AMEL) بنسبة 300% لتصل إلى 200,000 جنيه، ورخصة المراقب الجوي (ATC) بنسبة 400% لتصل إلى 150,000 جنيه. وشملت الزيادات أيضًا رخص ضباط العمليات (FOO) والمرحلين الجويين (Load Control) بنسبة 233.3% لكل منهما، لتصل إلى 100,000 جنيه. أما تحويل رخصة أجنبية، فقد شهد زيادة بنسبة 650% ليصل إلى 750,000 جنيه.
الإضافات (الإجازات – Type Ratings):
هنا تكمن بعض من أشد الزيادات قسوة. فقد ارتفعت رسوم إضافة طراز لطائرة بوزن أقل من 6 أطنان من 15,000 جنيه إلى 500,000 جنيه، بزيادة مذهلة بلغت 3233.3%. وللطائرات بوزن 6–14 طنًا، قفزت الرسوم من 20,000 جنيه إلى 750,000 جنيه، بزيادة قدرها 3650%. أما الطائرات بوزن 14–45 طنًا، فقد ارتفعت الرسوم من 25,000 جنيه إلى 1,500,000 جنيه، بزيادة بلغت 5900%. وللطائرات بوزن 45 طنًا فأكثر، وصلت الزيادة إلى مستويات غير معقولة، حيث ارتفعت الرسوم من 30,000 جنيه إلى 2,000,000 جنيه، بزيادة قدرها 6566.7%. وشملت الزيادات أيضًا إضافة طراز لمهندس جوي بنسبة 4900% لتصل إلى 750,000 جنيه، وإضافة طراز لمضيف جوي بنسبة 566.7% لتصل إلى 100,000 جنيه.
رسوم الامتحانات:
لم تكن رسوم الامتحانات بمنأى عن هذه الزيادات الصادمة. فقد ارتفعت رسوم امتحان رخصة PPL من 20,000 جنيه إلى 300,000 جنيه، بزيادة قدرها 1400%. وامتحان رخصة CPL من 50,000 جنيه إلى 500,000 جنيه، بزيادة بلغت 900%. وامتحان رخصة ATPL من 100,000 جنيه إلى 750,000 جنيه، بزيادة قدرها 650%. كما ارتفعت رسوم امتحانات مهندسي الطيران بنسبة 566.7% لتصل إلى 200,000 جنيه. وحتى رسوم مراجعة الامتحانات، التي هي إجراء إداري بحت، ارتفعت بنسبة 1566.7% لتصل إلى 500,000 جنيه.
رسوم أمن الطيران (اعتماد العاملين):
شهدت هذه الفئة أيضًا زيادات كبيرة، فمثلًا ارتفعت رسوم اعتماد مديري أمن شركات الطيران بنسبة 400% لتصل إلى 200,000 جنيه، واعتماد المدرب الأجنبي بنسبة 650% ليصل إلى 300,000 جنيه، واعتماد مهندس وفني صيانة بنسبة 275% ليصل إلى 150,000 جنيه.
إن هذه الأرقام، التي تتراوح فيها نسب الزيادة بين 150% وتتجاوز 6500% في بعض البنود، لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتؤكد أن الهدف منها ليس استرداد التكلفة الفعلية للخدمة.
تأتي هذه الزيادات في وقت يمر فيه السودان بأحلك الظروف، حيث تعصف به ويلات حرب مدمرة أدت إلى:
تقلص غير مسبوق في فرص العمل: فتوقف معظم شركات الطيران الوطنية عن العمل أو تقليص عملياتها بشكل حاد أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين أو وضعهم في إجازات غير مدفوعة الأجر.
فقدان الدخل وتدهور الأوضاع المعيشية: يعاني غالبية العاملين في القطاع الخاص من توقف الرواتب أو ضعفها الشديد، بينما تآكلت القوة الشرائية للجنيه السوداني بشكل غير مسبوق، مما جعل الأعباء المعيشية لا تُطاق.
إن فرض رسوم بملايين الجنيهات لتجديد رخصة مهنية أو إضافة طراز لطائرة، في ظل هذه الظروف، هو بمثابة “صدمة مهنية” للكفاءات السودانية. فالعامل الذي لا يستطيع تجديد رخصته سيفقد “أهليته القانونية” للعمل، وبالتالي سيخسر وظيفته الحالية في السودان، ولن يتمكن من المنافسة في سوق العمل الإقليمي والدولي الذي يتطلب رخصًا سارية المفعول ومعتمدة.
وبدلًا من أن تكون سلطة الطيران المدني عونًا وسندًا، في إطار مسؤوليتها الاجتماعية، في هذه المحنة الوطنية، أصبحت هذه الرسوم عائقًا كبيرًا يحول بينهم وبين لقمة العيش ومستقبلهم المهني.
وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، كان المتوقع من سلطة الطيران المدني، انطلاقًا من مسؤوليتها الاجتماعية والوطنية كما أسلفنا، أن تتبنى نهجًا داعمًا ومحفزًا للكوادر البشرية. وكان من الأولى أن تعلن عن إعفاء كامل من رسوم التراخيص لمدة ثلاث سنوات، أو على الأقل جعلها رسومًا رمزية لا تشكل عبئًا، أو تثبيتها على فئات عام 2024 دون أي زيادة، لأن حماية الكادر البشري من الانهيار والتسرب هو واجب وطني يسبق أي اعتبارات مالية أو إيرادية.
وبما أن مجلس إدارة سلطة الطيران المدني قد تم حله، وباعتبار أن صلاحيات المجلس قد آلت إلى السيد وزير الدفاع بموجب القانون، وبصفته الوزير المشرف، فهناك يقين كامل بأنه سيتدخل بشكل عاجل وحاسم لتصحيح هذا المسار وإن استمرار العمل بهذه اللائحة الجديدة يعني “إعدامًا مهنيًا” ممنهجًا لآلاف الكوادر السودانية المؤهلة، وتشريدًا لأسرهم، وتفريطًا في ثروة بشرية وطنية لا يمكن تعويضها بسهولة وذلك بإصدار قرار كريم ورحيم بتجميد هذه الزيادات والعودة إلى فئات الرسوم السابقة، أو إعفاء العاملين منها كليًا أو جزئيًا تقديرًا لظروف الحرب القاسية، وذلك حفاظًا على ما تبقى من كفاءات وطنية في هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي.
ختامًا فإن الطيران المدني ليس مجرد قطاع نقل، بل هو شريان حيوي يربط السودان بالعالم، ويسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الشريان لا يمكن أن يستمر في التدفق إلا على أكتاف مهنيين أكفاء ومرخصين. وإن إرهاقهم بالرسوم في زمن الحرب هو هدم لهذا الجسر، وتفريط في أمننا القومي المهني، وإضعاف لقدرة السودان على استعادة مكانته في المحيط الإقليمي والدولي. إن حماية هذه الكفاءات هي استثمار في مستقبل السودان.
