الطيران المدني في السودان.. ثلاث سنوات من الحرب تُثقِل السماء وتُربك العودة

سودافاكس – منذ اندلاع القتال، أُغلق المجال الجوي السوداني بشكل شبه كامل، وتوقفت الرحلات التجارية، مما أدى إلى عزل البلاد جوياً وخسائر فادحة لشركات الطيران. وتعرض مطار الخرطوم الدولي لأضرار جسيمة شملت المدارج وصالات الركاب والطائرات، ما أدى إلى خروجه من الخدمة الدولية، وتكبدت شركات وطنية، أبرزها الخطوط الجوية السودانية، خسائر تشغيلية ومالية كبيرة.

ومع استمرار النزاع، ارتفعت تكاليف التأمين والتشغيل، وانسحبت شركات طيران دولية من السوق السوداني، في ظل بيئة غير مستقرة، ما أدى إلى تراجع الثقة الاستثمارية وتجميد خطط التطوير.

في المقابل، برز مطار بورتسودان الدولي كبديل اضطراري بعد تشغيله وفتح الجزء الشرقي من المجال الجوي، ليصبح المنفذ الجوي الرئيسي للبلاد. وقد ساهم ذلك في استئناف جزئي للرحلات، خاصة الإنسانية وبعض الرحلات التجارية المحدودة، مما خفف من حدة العزلة، دون أن يعيد النشاط إلى مستواه الطبيعي.

ورغم هذه الخطوة، يواجه المطار ضغطًا تشغيليًا كبيرًا، كونه لم يُصمم لاستيعاب كامل الحركة الجوية للبلاد، في وقت لا يزال فيه مطار الخرطوم الدولي خارج الخدمة دوليًا. ومع ذلك، بدأت محاولات تشغيل داخلي محدودة بعد إعادة تأهيل صالة الحج والعمرة وتجهيز المدرج ومواقف الطائرات وفق الحد الأدنى من متطلبات السلامة.

تشغيليًا، تكبد القطاع خسائر عميقة، حيث اضطربت جداول الرحلات بشكل مستمر، وتقلصت الكوادر الفنية نتيجة النزوح والهجرة، بما في ذلك الطيارون والمهندسون والمراقبون الجويون. كما واجهت شركات الطيران صعوبات في صيانة الطائرات بسبب تعطل سلاسل الإمداد ونقص قطع الغيار، إلى جانب تراجع كفاءة خدمات الملاحة الجوية، وارتفاع الضغط على الموارد المحدودة في المطارات العاملة، مما زاد من المخاطر التشغيلية في ظل العمل عند الحد الأدنى من معايير السلامة.

كما تضررت حركة الشحن الجوي بشكل واضح، ما انعكس على سلاسل الإمداد، ورفع تكلفة نقل السلع الحيوية، بما في ذلك الأدوية. وتوقفت أو تراجعت برامج التدريب والتأهيل، ما يهدد مستقبل الكفاءات في القطاع، في وقت غادرت فيه بعض شركات الخدمات الأرضية، مما زاد من تعقيد عمليات التشغيل.

ومن الزوايا الاقتصادية المهمة، فقد السودان جزءًا كبيرًا من إيرادات رسوم عبور الأجواء، بعد أن غيرت شركات الطيران الدولية مساراتها لتفادي المجال الجوي السوداني، ما أدى إلى تراجع حركة الطيران العابرة وخسارة مصدر دخل سيادي مهم، إضافة إلى تراجع دور البلاد كممر جوي إقليمي.

وفي ظل هذه الظروف، لا يزال عدد الرحلات محدودًا، ولم تعد العديد من شركات الطيران إلى السوق بسبب المخاطر. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار التذاكر، وقلة الخيارات المتاحة، مما جعل السفر أكثر صعوبة للمواطنين.

كما اتجه كثير من المسافرين إلى حلول بديلة، عبر السفر إلى دول مجاورة ثم مواصلة رحلاتهم منها، نتيجة ضعف الربط الجوي المباشر.

وعلى المستوى الدولي، تأثرت سمعة قطاع الطيران السوداني، وأصبحت عودته الكاملة مرهونة باستيفاء متطلبات السلامة وإعادة الاعتماد من منظمات دولية، أبرزها المنظمة الدولية للطيران المدني، وهو مسار يتطلب وقتًا واستقرارًا وجهدًا مؤسسيًا كبيرًا.

في المحصلة، يمثل تشغيل مطار بورتسودان الدولي خطوة مهمة لتخفيف الأزمة، لكنه لا يعوّض فقدان مطار الخرطوم الدولي، ولا يعكس عودة القطاع إلى طبيعته. إذ لا يزال الطيران المدني في السودان يعمل بأقل من طاقته، وتحت ظروف استثنائية، ومع بداية مرحلة إعادة الإعمار يمكن استعادة الثقة والربط الجوي مع العالم.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.