إلغاء أم تجاوز؟ حين تتآكل ولاية الطيران المدني بصمت! من يملك القرار ؟

إلغاء أم تجاوز؟ حين تتآكل ولاية الطيران المدني بصمت! من يملك القرار ؟
إعداد :المركز السوداني لدراسات و أبحاث الطيران المدني
في أقل من شهر، توالت ثلاثة أخبار تبدو في ظاهرها خطوات تنموية، لكنها في جوهرها تثير سؤالًا خطيرًا حول من يملك القرار في قطاع الطيران المدني في السودان.
الخبر الأول: زيارة سفارة السودان في أديس أبابا برفقة شركتي تاركو وبدر إلى سلطة الطيران المدني الإثيوبي، لمناقشة اتفاقية ثنائية تخص النقل الجوي. خبر بثته وكالة سونا، لكنه تجاهل تمامًا الإشارة إلى سلطة الطيران المدني السودانية، الجهة الفنية والسيادية المختصة، أو حتى الإيحاء بأن اللقاء تم بعلمها.
الخبر الثاني: إعلان عن اهتمام مجموعة رجل الأعمال وجدي ميرغني بتطوير مطار وادي حلفا. مرة أخرى، يغيب اسم سلطة الطيران المدني، وكأن المطارات تُدار كمشاريع استثمارية معزولة عن منظومة سيادية تحكمها معايير دولية دقيقة.
الخبر الثالث: توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة الصافات وولاية الجزيرة لإنشاء وتحديث وتأهيل المطارات والمهابط. أيضًا، لا ذكر لسلطة الطيران المدني ولا لشركة مطارات السودان، رغم أن إنشاء وتشغيل المطارات يقع في صميم اختصاصهما.
وقبل ذلك، شهدنا تدخل هيئة الموانئ البحرية في مشروع توسعة مطار بورتسودان، وإنشاء شركة زادنا لمطار عطبرة، في مشهد يعكس تمدد جهات غير مختصة إلى فضاء يفترض أنه محكوم بإطار مؤسسي صارم.
هذه الوقائع ليست معزولة، بل تشير إلى نمط متكرر: تآكل تدريجي لاختصاصات قطاع الطيران المدني، إما عبر التجاهل أو عبر القفز فوق مؤسساته. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ما يحدث هو تنازل ضمني من الجهات المختصة؟ أم إلغاء فعلي لدورها؟ أم مجرد تجاوز مقصود يفتح الباب لفوضى تنظيمية؟
حين تتدخل الولايات: من التنمية إلى الفوضى
تعويل الولايات على إنشاء وتطوير المطارات خارج الإطار القومي ليس مجرد خلل إداري، بل يحمل آثارًا سلبية عميقة، من أبرزها:
- تفكيك وحدة التخطيط القومي: تتحول شبكة المطارات من منظومة متكاملة إلى مشاريع متفرقة بلا ترابط استراتيجي، مما يهدر الموارد ويضعف الجدوى الاقتصادية.
- تضارب المعايير الفنية: اختلاف المواصفات بين مطار وآخر يهدد السلامة الجوية، خاصة في غياب الإشراف المركزي.
- إضعاف الرقابة التنظيمية: عندما تُنشأ المطارات خارج ولاية السلطة، تصبح الرقابة لاحقة بدل أن تكون مدمجة في التصميم والتنفيذ.
- مخاطر على السلامة الجوية: أي خلل في تصميم المدارج أو أنظمة الملاحة أو إجراءات التشغيل قد يؤدي إلى حوادث كارثية.
- تشويه بيئة الاستثمار: المستثمر الجاد يبحث عن إطار قانوني واضح، لا عن تعدد جهات القرار وتضارب الصلاحيات.
- إهدار الموارد العامة: إنشاء مطارات دون دراسات جدوى قومية يؤدي إلى مشاريع غير مستدامة، تتحول لاحقًا إلى عبء مالي.
- إضعاف السيادة الجوية: المطارات ليست أصولًا محلية، بل جزء من منظومة سيادية ترتبط بالمجال الجوي والاتفاقيات الدولية.
أين شركة مطارات السودان؟
في قلب هذا المشهد، يبرز غياب مقلق لشركة مطارات السودان، الجهة التنفيذية المناط بها تطوير وتشغيل المطارات. هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بتعقيدات الواقع، بل يطرح تساؤلات حول موقف الإدارة.
يُلاحظ قدر من الزهد في التصدي لهذه التجاوزات، وكأن الشركة تقبل بتآكل اختصاصاتها دون مقاومة تُذكر. والأخطر من ذلك، أن منهج مدير الشركة قد يلقي بظلالها على طريقة إدارة الملف، خاصة إذا ما أدت إلى مواءمات مع بعض الجهات التي دخلت على خط إنشاء المطارات، على حساب المصلحة المؤسسية العليا للشركة ودورها القومي.
هذه ليست مسألة أشخاص، بل مسألة حوكمة: هل تُدار شركة مطارات السودان كذراع فني للدولة، أم ككيان قابل للتجاوز والتهميش؟
سلامة الطيران ليست خيارًا
إن إنشاء المطارات، وتأهيلها، وتشغيلها، ليس نشاطًا استثماريًا حرًا يمكن لأي جهة أن تخوض فيه بمعزل عن الإطار المؤسسي. بل هو عمل سيادي وفني معقد، يخضع لمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ويتطلب إشرافًا مباشرًا من سلطة الطيران المدني، وتنفيذًا عبر الأذرع المختصة.
تجاهل هذه الحقيقة لا يعني فقط إضعاف المؤسسات، بل يهدد سلامة الطيران نفسها. فالمطار ليس مجرد مدرج ومبنى، بل منظومة متكاملة تشمل الملاحة الجوية، إجراءات السلامة، أمن الطيران، إدارة الحركة، والتكامل مع المجال الجوي.
التجاوز حين يصبح عادة
الخطر الأكبر ليس في الواقعة الأولى أو الثانية، بل في تحول الخطأ إلى سلوك متكرر. حين تمر هذه التجاوزات دون تصحيح، فإنها تتحول تدريجيًا إلى أمر واقع، ثم إلى “قاعدة جديدة” تُدار بها الأمور خارج القانون.
وهنا يجب لفت نظر سلطة الطيران المدني بشكل واضح:
إن الصمت لم يعد حيادًا… بل أصبح مساهمة في ترسيخ الخطأ.
دعوة للتصحيح قبل فوات الأوان
ليس المطلوب إيقاف التنمية أو تعطيل المبادرات، بل تنظيمها داخل إطار واضح يحفظ الاختصاصات ويضمن السلامة.
نريد أن نرى شركاتنا الوطنية تنمو، وتضيف الطائرات إلى أساطيلها، وتشارك في تطوير المطارات… لكن وفق قانون، وتحت إشراف سلطة مختصة، وبقيادة شركة مطارات السودان.
إن تصحيح المسار اليوم أسهل بكثير من محاولة إصلاح فوضى غدًا.
الخلاصة:
ما يحدث الآن ليس مجرد تجاوز عابر… بل مؤشر على خلل هيكلي يتطلب وقفة جادة.
فإما أن تستعيد مؤسسات الطيران المدني دورها الطبيعي،
أو نكون أمام تفكيك صامت لقطاع سيادي… لن تظهر كلفته الحقيقية إلا عندما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، وربما أكثر كلفة مما نتصور.


