أزمة الربط الجوي بين الخرطوم وبورتسودان … ساعات انتظار طويلة … مسافرون يشتكون … وشركات طيران مضغوطة
بقلم: مصطفى سليمان
بين شكاوى متصاعدة من المسافرين وضغوط تشغيلية متزايدة على شركات الطيران، تتبلور أزمة بنيوية في حلقة الربط الجوي بين مطار الخرطوم الدولي ومطار بورتسودان الدولي، هي أزمة لا يمكن اختزالها في كونها مشكلة “انتظار طويل”، بل تمتد لتكشف اختلالًا أعمق في التخطيط التشغيلي والبنية التحتية وتجربة السفر ككل.
النقل الجوي في السودان: من التأسيس البريطاني إلى السيادة الوطنية
يُعد متوسط زمن الترانزيت الذي قد يصل إلى نحو 7 ساعات مؤشرًا بالغ الحساسية في صناعة الطيران، حيث تُصنف “زمنية الربط” كعنصر حاسم في قرار اختيار الرحلة من عدمه. في الأسواق التنافسية، كل دقيقة إضافية في زمن الانتظار تُترجم إلى تراجع مباشر في جاذبية الخط الجوي .
تتعمق الإشكالية داخل مطار بورتسودان، الذي لم يُصمم ليؤدي دور “محور ربط جوي” (Hub)، بل كمطار تشغيلي يخدم حركة محدودة نسبيًا. ومع تزايد الاعتماد عليه كنقطة عبور رئيسية، ظهرت فجوة واضحة في البنية التشغيلية، أبرزها غياب منطقة ترانزيت متكاملة (Transit Area).
وينعكس هذا القصور في عدة مظاهر مباشرة ، أبرزها :
* غياب مساحات انتظار مريحة ومهيأة مناخيًا
* محدودية الخدمات الأساسية مثل المطاعم والاستراحات والاتصال الرقمي
* صعوبة الفصل بين مسارات الركاب القادمين والمغادرين وركاب الترانزيت .
في المقابل، تجد شركات الطيران نفسها أمام معادلة تشغيلية معقدة. فبين القيود التشغيلية للبنية التحتية والطلب المتزايد على الرحلات، تتقلص مساحة المرونة في إدارة الجداول الزمنية.
وتظهر أبرز التحديات في:
* صعوبة بناء جداول رحلات دقيقة بسبب محدودية السعة التشغيلية
* تعقيد تنسيق موجات الوصول والمغادرة (Wave Scheduling)
* ارتفاع التكاليف التشغيلية نتيجة طول فترات التوقف والانتظار
وبذلك، تتحول المشكلة من تحدٍ إداري إلى ضغط هيكلي مرتبط ببيئة التشغيل نفسها.
رغم تعقيد المشهد، فإن المعالجة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب رؤية متعددة المستويات:
أولاً: حلول عاجلة :
* تخصيص صالة مؤقتة للترانزيت داخل مطار بورتسودان
* تحسين الخدمات الأساسية (الإنترنت، المقاعد، التكييف)
* إعادة جدولة الرحلات لتقليل فترات الانتظار قدر الإمكان
ثانيًا: حلول متوسطة المدى :
* إنشاء منطقة ترانزيت شبه معزولة داخل المطار
* تطبيق أنظمة إدارة تدفق الركاب (Passenger Flow Management)
* تحسين التنسيق بين شركات الطيران والجهات التشغيلية
ثالثًا: حلول استراتيجية ” بعيدة المدى ” :
* إعادة تصميم مطار بورتسودان الدولي ليؤدي دور مركز ربط إقليمي فعلي
* الاستثمار في بنية تحتية تدعم نموذج “Hub & Spoke”
* إعادة توزيع الحركة الجوية بالتوازي مع تشغيل مطار الخرطوم الدولي بكامل طاقته تدريجيًا .
إن عودة مطار الخرطوم إلى الخدمة تمثل خطوة مهمة في استعادة التعافي، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة في منظومة الربط الجوي الداخلي. وبين مسافر يبحث عن تجربة أكثر كفاءة، وشركات طيران تعمل تحت ضغط تشغيلي متصاعد، تظل المعادلة الحالية بحاجة إلى إعادة ضبط شاملة.
فبدون معالجة جذرية لفجوة الترانزيت في بورتسودان، ستظل الحلقة الأضعف في هذه المنظومة هي المسافر، وستبقى كفاءة الربط الجوي رهينة حلول جزئية لا ترقى إلى مستوى التحدي …

