عثمان ميرغني يكتب: عندما بكى الوزير

عندما بكى الوزير
عثمان ميرغني
حكى لي الدكتور عبد الوهاب عثمان، وزير المالية الأسبق، قصة مذهلة.
قال إنه عندما تولى حقيبة وزارة المالية، كانت البلاد تتخبط في أزمة اقتصادية طاحنة. كان العملة السودانية تنهار على مدار الساعة، والتضخم قد بلغ ثلاثة أرقام.
عثمان ميرغني يكتب: نيابة حماية المستثمر
في تلك اللحظة الحرجة، ركز الدكتور عبد الوهاب كل جهده على السيطرة على سعر الصرف والتضخم بسياسات شاملة.
وبدأت العملة المريضة تستجيب للعلاج تدريجياً. ارتفع السعر مقابل الدولار بصورة مطردة، وبدأ التضخم يذوب كالشحم تحت حرارة الشمس. وذاق السودانيون — لأول مرة منذ ثلاثة عقود — طعم الاستقرار الاقتصادي.
ثم فجأة، وبدون سابق إنذار، بدأ الدولار يصعد بقوة مرة أخرى. أدرك عبد الوهاب أن هناك طارئاً خطيراً لم يكن في الحسبان. حبس نفسه في مكتبه عدة أيام يبحث ويستقصي ليجد الثغرة التي تتسرب منها المياه لتغرق العملة بعد أن كانت قد تعافت.
ظل ليالي طويلة يفتش حتى جاءت المفاجأة الصاعقة. دخل مكتبه، أغلق الباب بالمفتاح، و… بدأ يبكي.
“بكيتُ مثل الطفل الصغير”، قال لي بصوت مكسور، “بكاءً عالياً حتى انهارت قواي”.
سألته: لماذا بكيت؟
فأجاب بتأثر شديد: اكتشفتُ أنها مؤامرة مدبرة من وزير آخر، وزير مهم جداً في المؤتمر الوطني، ومن صدارة الحركة الإسلامية. كان الهدف من المؤامرة نسف السياسات المالية الناجحة التي نفذتها، حتى لا يُقال إن عبد الوهاب نجح فيما فشل فيه الآخرون.
لم يبكِ عبد الوهاب فقط بسبب المؤامرة، بل لأن الطعنة جاءت من الأقربين. و”ظلم ذي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند”.
ولم تكن المؤامرة هي المشكلة الوحيدة. السياسات الصارمة التي طبقها الوزير، خاصة في إحكام السيطرة على الإعفاءات الجمركية والضريبية، كانت قد ضربت مصالح شبكات كبيرة كانت تعيش على المال العام المستباح.
رحم الله الدكتور عبد الوهاب عثمان.
**بمناسبة قرار الحكومة حظر بعض الواردات في سياق معالجة ارتفاع سعر صرف الدولار.



