دراسة تحذيرية لشركات الطيران الوطنية وللسلطة التنظيمية: أرباح الأزمة لا يجب أن تأتي على حساب المسافر
إعداد:المركز السوداني لدراسات و أبحاث الطيران المدني
خلال سنوات الحرب والاضطراب، وجد قطاع الطيران نفسه في بيئة استثنائية اتسمت بارتفاع الطلب، قلة الخيارات، تعطل البنية التحتية، وتركز الحركة في مسارات محدودة. وفي مثل هذه الظروف، استطاعت بعض شركات الطيران الوطنية مواصلة التشغيل وتحقيق إيرادات معتبرة، وهو أمر يُحسب لها من زاوية الاستمرارية. لكن استمرار التشغيل وحده لا يكفي، إذا صاحبه تسعير يراه الجمهور مجحفًا، أو ممارسات تشغيلية تضعف الثقة وتُرهق المسافر.
غياب المنظومة القانونية لتسجيل الطائرات وشطبها بالسودان واثرها علي شركات الطيران الوطنية
فالطيران ليس مجرد بيع مقعد من مدينة إلى أخرى، بل هو عقد ثقة بين الشركة والراكب. يدفع المسافر ثمن التذكرة على أساس أنه سيصل هو وأمتعته في الوقت المتوقع، وبدرجة معقولة من الراحة والاحترام والتنظيم. وعندما يختل هذا العقد، تبدأ خسائر السمعة قبل خسائر الإيرادات.
وقد برزت خلال الفترة الماضية شكاوى واسعة من ارتفاع أسعار التذاكر، وتجـزئة بعض الرحلات، إلى جانب معاناة متكررة لا تقل أهمية: تخلّف الأمتعة وتأخر وصولها أو ضياعها المؤقت. وهذه المسألة، وإن بدت للبعض تفصيلًا تشغيليًا، إلا أنها من أكثر ما يترك أثرًا سلبيًا في نفس المسافر.
معاناة المسافرين بسبب تخلّف الأمتعة
المسافر لا يحمل في حقيبته مجرد ملابس، بل يحمل:
- أدوية ضرورية
- مستندات شخصية
- احتياجات أسرية
- هدايا ومقتنيات ثمينة معنويًا
- أدوات عمل عاجلة
- ملابس تناسب وجهة السفر
وعندما يصل الراكب بينما تبقى أمتعته في مطار آخر، أو تتأخر أيامًا دون معلومات واضحة، فإن الضرر لا يكون ماديًا فقط، بل نفسيًا وإنسانيًا.
كم من مريض وصل دون دوائه؟
كم من أسرة وصلت دون احتياجات أطفالها؟
كم من مسافر اضطر لشراء مستلزماته من جديد رغم أنه دفع أصلًا مقابل خدمة النقل؟
إن تخلّف الأمتعة المتكرر يبعث رسالة خطيرة للمسافر: الشركة نقلتني لكنها لم تكمل التزامها نحوي.
عندما تقترن الأسعار المرتفعة بالخدمة المتعثرة
قد يتحمل المسافر السعر العالي إذا وجد خدمة محترفة.
وقد يتسامح مع خلل بسيط إذا كان السعر منطقيًا.
لكن الجمع بين:
- أسعار مرتفعة
- رحلات مجزأة
- تأخير تشغيلي
- غياب التواصل
- تخلّف الأمتعة
هو وصفة مباشرة لفقدان الولاء، ولبداية ما يعرف بـ الانتقام الاستهلاكي، أي هجرة العميل فور ظهور بديل مناسب.
فالراكب قد يصبر اليوم لأنه مضطر، لكنه يتذكر كل ذلك غدًا عندما يصبح لديه خيار آخر.
مسؤولية شركات الطيران الوطنية
شركات الطيران مطالبة بعدم التعامل مع الأمتعة كملف ثانوي، بل كجزء أساسي من تجربة السفر. والمطلوب فورًا:
- تحسين أنظمة مناولة الأمتعة والربط بين الرحلات
- تقليل تجزئة الرحلات غير الضرورية
- تسليم الأمتعة في نفس وقت وصول الراكب قدر الإمكان
- نظام تتبع واضح للحقيبة
- تعويضات عادلة عند التأخير أو الفقد
- فرق خدمة عملاء فعالة وموجودة ميدانيًا
- إشعار المسافر بحقيقة وضع أمتعته بشفافية
دور Sudan Civil Aviation Authority
كما أن سلطة الطيران المدني مطالبة بالتنظيم الاقتصادي، فهي مطالبة أيضًا بحماية حقوق المسافر التشغيلية، وذلك عبر:
أولًا: إعداد معادلة عادلة للتسعير
تعتمد على عناصر مثل:
- سعر لتر الوقود
- نوع الطائرة وسعتها
- رسوم المطارات
- تكلفة التشغيل والصيانة
- نسبة الإشغال
- هامش ربح عادل
بحيث ينتج عنها نطاق سعري منصف يحفظ حقوق الناقل والمسافر.
ثانيًا: وضع مؤشرات أداء إلزامية
تشمل:
- نسبة انضباط المواعيد
- نسبة تسليم الأمتعة في الوقت المحدد
- زمن معالجة الشكاوى
- معدل إلغاء الرحلات
- مستوى الإفصاح والشفافية
ثالثًا: نظام تعويضات واضح
يضمن للمسافر حقه عند:
- تأخر الأمتعة
- فقدانها
- التلف
- التأخير الطويل للرحلات
- الإلغاء دون مبرر
الرسالة للقطاع كله
الطيران لا يعيش على حاجة الناس فقط، بل على ثقتهم. والثقة لا تُبنى بالإعلانات، بل بالتجربة الفعلية من لحظة الحجز حتى استلام الحقيبة.
فالمسافر قد ينسى رقم المقعد، لكنه لا ينسى أن حقيبته لم تصل.
الخلاصة
ما بعد الحرب يتطلب عقلًا جديدًا في الإدارة والتنظيم. فلا يكفي فتح الأجواء إذا بقيت تجربة المسافر مثقلة بالتكاليف والقلق والارتباك.
إن العدالة في السعر، والانضباط في التشغيل، واحترام أمتعة الناس ووقتهم، هي أساس أي نهضة حقيقية للطيران الوطني.
فالراكب لا يشتري تذكرة فقط… بل يشتري وعدًا، وأول اختبار لهذا الوعد هو أن تصل حقيبته معه.
