استسلام الدعم السريع في السودان حقيقة أم إعادة تموضع؟

استسلام الدعم السريع في السودان حقيقة أم إعادة تموضع؟

عوض النقر بابكر محمد

سودافاكس – الصور المتداولة على نطاق واسع بين النشطاء السودانيين تظهر أفرادا من قوات الدعم السريع وهم يتجولون بحرية تامة، بل ويرتدون زيهم العسكري الكامل، وذلك بعد إعلان استسلام قادتهم للجيش السوداني.

استسلام 102 عنصر من المليشيا بكامل عتادهم للجيش بالأبيض

هذا المشهد لم يثر غضب الناشطين فقط، بل ألقى بظلال كثيفة من الريبة حول حقيقة هذا الاستسلام، وجعلني أتساءل مع الكثيرين: هل نحن أمام انهيار حقيقي لقوات الدعم السريع، أم إن هناك فصولا أخرى من المسرحية لم تكشف بعد؟

التقارير تؤكد أن الداعمين قد نشطوا في إيجاد مسارات بديلة لتهريب السلاح عبر إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان وكينيا، وكأن الموت لا يريد أن يتوقف عن حصد السودانيين

ملخص الأوضاع الحالية

في فبراير/شباط 2026، وتحديدا في مؤتمر ميونخ للأمن، فاجأ رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس الجميع بمبادرة سلام شاملة، دعت إلى استسلام كامل لقوات الدعم السريع، مع تسليمها كافة الأراضي التي تسيطر عليها، وإدخال مقاتليها إلى مخيمات مغلقة بهدف التحقق من هوياتهم.

في المقابل، كان رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان أكثر حزما، حيث أكد أن أي عبور نحو حل سياسي دائم مرهون بتسليم قوات الدعم السريع سلاحها بالكامل، دون أي شروط مسبقة.

على أرض الواقع، شهدت الفترة الأخيرة بالفعل استسلامات جماعية وفردية في صفوف الدعم السريع، كان أبرزها الاستسلام الواسع في عدة محاور عمليات خلال يناير/كانون الثاني 2026، ثم سقوط المستشار القانوني للدعم السريع، يعقوب عبد الكريم المعروف بـ”أبو كدير”، مع عدد من عناصره في غرب كردفان مارس/آذار، ثم استقبال البرهان القيادي المنشق النور القبة في أبريل/نيسان الجاري.

تفسيرات لا تخلو من الحيرة
عندما أمعنت النظر في هذه التطورات، وجدت نفسي أمام فريقين من القرائن. القرائن الأولى تشير بلا شك إلى وجود ضغوط عسكرية حقيقية.

فالجيش السوداني استطاع خلال عام 2025 تحقيق انتصارات إستراتيجية غيرت موازين القوى تماما، باستعادته للخرطوم في مارس/آذار، ثم المثلث الحدودي في يونيو/حزيران وغيرها من المناطق. إلى جانب ذلك، نجح الجيش في قطع خطوط الإمداد التقليدية عبر تشاد وليبيا، مما عزل قوات الدعم السريع لوجيستيا وأفقدها مصادر تمويلها الحيوية.

ولكن، كمتابع جاد أحاول دائما تتبع الخيوط، هناك دلائل أخرى تزرع في النفس ريبة كبيرة. فلا تزال التقارير تؤكد أن الداعمين قد نشطوا في إيجاد مسارات بديلة لتهريب السلاح عبر إثيوبيا وأوغندا وجنوب السودان وكينيا، وكأن الموت لا يريد أن يتوقف عن حصد السودانيين.

وهذا يعني أن شحنات الأسلحة المتطورة، من طائرات مسيرة وصواريخ موجهة، لا تزال تصل إلى المليشيا وكذلك المرتزقة عبر شبكات معقدة. لذلك، فإن سقوط بعض المناطق بسرعة فائقة يثير تساؤلات مشروعة حول وجود ترتيبات خلفية لا نعلم عنها شيئا.

أميل إلى الاعتقاد بأن ما نراه هو مزيج مرير من الاثنين معا: استسلامات حقيقية ناتجة عن الضغط العسكري المتزايد، تتخللها تحركات مشبوهة تشير إلى إعادة تموضع

تفسيرات لا تخلو من الحيرة

بين هذه الهزائم وتلك الشكوك، يمكنني أن أرصد 3 تفسيرات محتملة للمشهد. الأول، وهو الأقرب للمنطق العسكري، يقول إن هذه استسلامات حقيقية ناتجة عن انهيار معنويات المقاتلين تحت وطأة الضغط العسكري المستمر وقطع خطوط الإمداد.

أما التفسير الثاني، فيحمل نبرة أكثر تشاؤما، حيث يرى أن بعض عمليات الاستسلام ما هي إلا إعادة تموضع إستراتيجي. أي إن النواة الصلبة لقوات الدعم السريع تحاول الحفاظ على نفسها، وانتظار تحولات إقليمية أو دولية تعيد ترتيب الأوراق لصالحها.

التفسير الثالث، وهو الأكثر إيلاما بالنسبة لي كشخص يعشق السودان أرضا وإنسانا، يتحدث عن وجود مفاوضات خلفية بين أطراف إقليمية والحكومة السودانية، هدفها إنهاء الحرب عبر المفاوضات مع الدعم السريع دون شروط مسبقة، مع عزل الحركات غير المرغوب فيها والتي لا بديل لديها غير الحرب، ويضمن في المقابل مصالح اقتصادية كبرى، خاصة في قطاع الذهب. أتمنى من كل قلبي أن يكون هذا التفسير مجرد وهم، لأن الشعب السوداني الصابر يستحق أن يعرف الحقيقة كاملة.

السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل سوداني ليس فقط: هل هذا الاستسلام مخطط أم مؤامرة؟

في نهاية هذا التحليل، أميل شخصيا إلى الاعتقاد بأن ما نراه هو مزيج مرير من الاثنين معا: استسلامات حقيقية ناتجة عن الضغط العسكري المتزايد، تتخللها تحركات مشبوهة تشير إلى إعادة تموضع. الشكوك مبررة تماما، ليس فقط بسبب استمرار الدعم الخارجي، بل بسبب تعقيد المصالح الإقليمية المتشابكة حول الذهب والموانئ والنفوذ الجيوسياسي، وأيضا بسبب تاريخ هذه المليشيا في إعادة التنظيم والتكيف مع كل الظروف.

لذلك، أعتقد أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل سوداني ليس فقط: هل هذا الاستسلام مخطط أم مؤامرة؟ بل الأهم من ذلك: هل نثق في شفافية السلطة القائمة؟




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.