ابراهيم عدلان يكتب: أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي… “والخيل تجقلب والشكر لحمّاد”

أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي… “والخيل تجقلب والشكر لحمّاد”

إبراهيم عدلان

لا شك أن إعلان استئناف حركة الطيران الدولي من مطار الخرطوم يمثل خطوة مهمة طال انتظارها، وهو تطور إيجابي لكل العاملين بقطاع الطيران المدني وللاقتصاد السوداني عمومًا. غير أن الترحيب بالقرار لا يمنع من الوقوف بصدق ومهنية أمام الأسئلة الجوهرية التي فرضتها مرحلة الإغلاق الطويلة.

ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية

فالحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة هي أن النظر في إعادة فتح المجال الجوي السوداني كان ينبغي أن يبدأ في وقت أبكر بكثير، لا أن يتأخر لأشهر طويلة رغم المتغيرات الميدانية والتشغيلية التي طرأت على الأرض. ذلك لأن إدارة المجال الجوي لا تقوم على منطق “الإغلاق الكامل حتى زوال كل المخاطر”، بل على منهج تقييم المخاطر وإدارتها، وهو ذات المنهج الذي تدعو إليه منظمة منظمة الطيران المدني الدولي في أدبياتها الفنية وإرشاداتها الخاصة بالمجالات الجوية في مناطق النزاعات والأزمات.

ونحن ندرك تمامًا حجم التحديات والمهام الجسام الملقاة على عاتق الإدارة الحالية، كما نعلم أن سلم الأولويات خلال فترة الحرب وما بعدها كان معقدًا ومتشابكًا، شمل أمن المطارات، وسلامة البنية التحتية، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، والمحافظة على الحد الأدنى من استمرارية العمل. غير أن ذلك كله لا ينفي أن ملف إعادة فتح المجال الجوي كان ينبغي أن يُعامل كأولوية قصوى، وأن يُدار جنبًا إلى جنب مع بقية الملفات، لا أن يُؤجل عمليًا إلى مراحل متأخرة.

فالسودان اليوم يحتاج إلى كل جنيه يمكن أن يجنيه من رسوم عبور الطائرات، لأن هذه العائدات ليست أرقامًا مالية مجردة، بل مورد استراتيجي يمكن أن يسهم مباشرة في إعادة الإعمار، وتأهيل المطارات، وتحديث أنظمة الملاحة الجوية، وصيانة الأجهزة، وتمويل التدريب وإعادة بناء القدرات البشرية التي تضررت بفعل التوقف الطويل.

وتشير تقديرات العاملين والخبراء في قطاع الملاحة الجوية إلى أن خسائر السودان جراء الإغلاق الكامل ثم الجزئي للمجال الجوي تراوحت بين 12 إلى 35 مليون دولار شهريًا. وباحتساب هذه الخسائر على مدى نحو ثلاث سنوات، فإن السودان يكون قد فقد ما بين 432 مليون دولار في الحد الأدنى، إلى ما يقارب 1.26 مليار دولار في الحد الأعلى. وهي مبالغ ضخمة كان يمكن أن تُحدث تحولًا حقيقيًا في إعادة بناء قطاع الطيران المدني، وتأهيل البنية التحتية، وتطوير أنظمة الملاحة الجوية، ودعم الاقتصاد الوطني في واحدة من أصعب مراحل البلاد.

لقد كان السودان يملك — وما يزال — الحق السيادي الكامل في تقييم أوضاع مجاله الجوي واتخاذ القرار المناسب بشأنه، سواء عبر الفتح الجزئي، أو تشغيل الطبقات العليا، أو تطبيق إجراءات تشغيل مرحلية تراعي السلامة وتخفف الخسائر. ولذلك فإن رهن القرار الوطني لفترات طويلة بانتظار تحركات أو اجتماعات خارجية يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية إدارة هذا الملف خلال الفترة الماضية.

كما أن التصريحات الأخيرة التي تحدثت عن حسم الملف خلال اجتماعات استمرت يومين بالقاهرة تثير الاستغراب، خاصة وأن الفريق الذي كان منوطًا به هذا العمل — فريق الـ CCT — لم يُعقد له اجتماع منذ نوفمبر 2025 بحسب ما هو متداول داخل الأوساط المهنية. وهو ما يعزز الانطباع بأن القرار كان يمكن اتخاذه في وقت أبكر لو أُدير الملف بعقلية أكثر ديناميكية وجرأة مهنية.

ولا أحد ينكر أهمية الدعم الفني والتنسيق الإقليمي الذي قدمه المكتب الإقليمي للشرق الأوسط بالقاهرة، أو التعاون المقدر من سلطات الطيران والملاحة الجوية المصرية، فهذا أمر طبيعي ومطلوب في صناعة عالمية مترابطة كقطاع الطيران المدني. لكن في المقابل، ينبغي ألا نُحمّل الجهات الإقليمية إنجازًا هو في الأصل قرار سيادي وفني سوداني خالص، قائم على تقييم الواقع الميداني والقدرة الوطنية على إدارة المخاطر التشغيلية.

وهنا يصح المثل السوداني البليغ: “الخيل تجقلب والشكر لي حمّاد”، إذ لا ينبغي أن تضيع جهود الكوادر الوطنية والخبرات السودانية التي ظلت تعمل وتدفع في اتجاه استعادة المجال الجوي، بينما يُنسب أصل القرار والإنجاز إلى جهات مساندة كان دورها الطبيعي هو الدعم والتنسيق لا صناعة القرار السيادي نفسه.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن إدارة الأزمات الجوية لا تكون بالإغلاق المفتوح بلا أفق، ولا بسياسة “القطعة بالقطعة”، وإنما عبر خطط تدريجية واضحة، ومراجعات مستمرة للمخاطر، وتشغيل مرحلي مدروس يعيد الثقة ويحافظ على السيادة ويمنع فقدان الموارد الاستراتيجية.

اليوم، وبعد أن اتُّخذ القرار، يبقى الأهم هو استخلاص الدروس. فالسودان يحتاج إلى بناء آلية وطنية دائمة لإدارة مخاطر المجال الجوي، تعمل بصورة مؤسسية مستقلة، وتضم المختصين من الملاحة الجوية والسلامة والمطارات والأجهزة الأمنية والعسكرية، حتى لا يبقى قرار سيادي بهذا الحجم معلقًا أو مؤجلًا أو رهينًا للاجتماعات الخارجية.

فالرجوع إلى الحق فضيلة، وإعادة تقييم القرارات في ضوء المعطيات الجديدة ليست ضعفًا، بل من صميم الإدارة الرشيدة.

ويبقى الأمل أن تكون عودة الحركة الجوية هذه بداية لمرحلة جديدة تُدار فيها سماء السودان بالكفاءة المهنية، والقرار الوطني، والرؤية الاستراتيجية التي تليق بتاريخ الطيران المدني السوداني و محوره في المنطقة.

Exit mobile version