البلد فيها “فيل”.. و وزير المعادن بيطارد في “النملة”!

البلد فيها “فيل”.. ووزير المعادن بيطارد في “النملة”!
بقلم: نفيسة حجر
بدلاً من أن تكون حكومة “كامل إدريس” حكومة رعاية اجتماعية، تبحث الفارين من جحيم الحرب لتطمئنهم وتوفر لهم سبل العيش الكريم في دور الإيواء، نجدها تلاحقهم بمبادرات “الاحتيال القومي”.
إنها مفارقة تثير الغثيان فحكومة عاجزة عن حماية بيوت المواطنين من النهب، وعاجزة عن صرف مرتبات الموظفين لأشهر، تأتي اليوم لتطلب من “المشرد” والنازح الذي يعيش على حد الكفاف أن يمنحها جراماً من الذهب لإنعاش الاقتصاد!
وزير المعادن يلتقي ياسر العطا.. والاقتصاد الوطني في قلب النقاش
وزير المعادن : الحلول الأمنية وحدها لا تكفي لإيقاف تهريب الذهب
السؤال الجوهري الذي يصفع وجه هذه السلطة هو: مَن الذي يجب أن يُعطي الآخر؟ هل المواطن الذي فقد بيته وعمله ومدخراته هو المطالب بإنقاذ الخزينة العامة؟ أم أن الدولة التي تسيطر على مناجم الذهب وتدير شركات “الظل” العسكرية والأمنية هي المطالبة بإطعام شعبها المكلوم؟ إن ما تفعله هذه الحكومة ليس سياسة، بل هو “تسول ببدلات رسمية” حيث تحاول تغطية عجزها عن القيام بأبسط أدوارها تجاه الشعب.
وفي الوقت الذي تطل فيه علينا مبادرة “جرام الوطن”، يعلم الجميع أن الذهب السوداني يتدفق أنهاراً عبر المطارات وبعلم المكاتب الحكومية، ليتحول إلى طائرات مسيرة ورصاص يحصد أرواح الأبرياء.
إن الفساد في هذا القطاع ليس مجرد ثقب في السفينة، بل هو المحرك الذي يوفر السيولة اللازمة لتمويل الرصاص الذي يخترق صدور السودانيين، ويحول سبائك الذهب إلى وقودٍ للمدافع التي تنهش جسد الوطن.
فالسيادة الوطنية التي يتشدق بها وزير المعادن تُباع يومياً في صفقات مشبوهة، بينما يُطلب من الأرامل والأيتام في المعسكرات أن يكونوا “وطنيين” ويتبرعوا بخواتم زواجهم لتدوير آلة الحرب التي شردتهم.
وإذا كان السيد الوزير وحكومته جادين حقاً في البحث عن موارد لإنقاذ البلاد، فالطريق لا يمر عبر جيوب الفقراء، بل يمر عبر استعادة الأموال المنهوبة التي هربها “فلول” النظام البائد إلى بنوك وعقارات تركيا وماليزيا، والتي تُهرب الآن عبر منسوبي حكومة الأمر الواقع عبر الموانئ والمطارات أمام سمع وبصر الجميع.
لماذا لا يجرؤ “لصوص اليوم” على ملاحقة “لصوص الأمس”؟ الإجابة واضحة؛ فكيف يطالب السارق سارقاً آخر؟ إنهم يفضلون “عصر” جراح النازحين على إزعاج حلفائهم في منظومة النهب القديمة والجديدة التي لا تزال تدير “استثمار” الذهب من داخل مكاتب السلطة الحالية. إن مبادرة “جرام الوطن” هي الصك الأخير لإدانة هذه الحكومة وفشلها الأخلاقي قبل الاقتصادي؛ فالوطن لا يحتاج لجرام ذهب من المنهوبين، بل يحتاج إلى “كنس” هؤلاء الفاسدين من مكاتبهم، واستعادة الموارد المختطفة من أيدي جنرالات الذهب وتجار الدماء. فبينما “الفيل” يرتع في المكاتب والمطارات والشركات الرمادية، يصر الوزير على مطاردة “النملة” في جيوب الغلابة.. فلتسقط مبادرات الزيف، وليبقَ الذهب لأصحابه الحقيقيين.
آخر قولي:
إن الذي يعجز عن حماية “جرام” كرامة المواطن من طحن الحرب، لا يحق له أن يطمع في “جرام” ذهبه؛ والذهب الذي لا يُطعم جائعاً أو يداوي جريحاً، هو رصاصٌ مصهور في صدورنا، فابحثوا عن ذهبكم في مكاتبكم المترعة بالفساد، لا في حقائب النازحين المعبأة بالدموع.



