أمن الطيران السوداني: خمس سنوات من التَّأرجُح بين الضرورة السيادية والجدل الإداري
إبراهيم عدلان
بعد قرابة خمس سنوات من انتقال قطاع أمن الطيران إلى موقعه الطبيعي داخل سلطة الطيران المدني، ما يزال هذا القطاع الحيوي يعيش حالةً من التذبذب الإداري وعدم الاستقرار المؤسسي نتيجة تضارب الرؤى حول طبيعته وموقعه داخل المنظومة الوطنية للطيران. وبين من ينظر إليه كجهاز أمني صرف، ومن يراه مرفقًا فنّيًا خاضعًا لمنظومة الطيران المدني الدولية، ظل القطاع معلقًا بين مرجعيات متعددة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الروح المعنوية للعاملين، وعلى كفاءة الأداء والاستعداد المهني في واحدٍ من أكثر القطاعات حساسيةً وخطورة.
مدير عام سلطة الطيران المدني ابراهيم عدلان : مبنى بكوبر يهدد هبوط الطائرات وقد نضطر لإغلاق المطار
إن قوة قطاع أمن الطيران تُعد من أهم المؤشرات التي يُقاس بها مستوى كفاءة وهيبة منظومة الطيران المدني بأكملها، فالدول لا تُقاس مطاراتها فقط بعدد الرحلات أو حداثة المباني، وإنما كذلك بقدرتها على فرض منظومة أمنية مستقرة ومحترفة ومتوافقة مع المعايير الدولية. ولذلك ظل أمن الطيران في جميع دول العالم يمثل خط الدفاع الأول عن سيادة الدولة الجوية وسمعة ناقلاتها ومطاراتها أمام المجتمع الدولي.
غير أن هذا القطاع في السودان ظل يدفع ثمن حالة الجدل التي صاحبت انتقاله إلى سلطة الطيران المدني، رغم أن ذلك الانتقال كان في الأصل عودةً إلى موقعه الطبيعي داخل المنظومة التي تنظمها وتحدد معاييرها منظمة International Civil Aviation Organization. ويبدو وكأن البعض قد اختار معاقبة القطاع بأكمله والعاملين فيه بسبب هذا التحول المؤسسي، الأمر الذي أفرز حالة من التراجع في الاستقرار الوظيفي والروح المعنوية، وألقى بظلاله على الجاهزية المهنية والانضباط الإداري.
وفي واقع الأمر، فإن القضية في جوهرها لا تعدو كونها قرارًا إداريًا ينبغي أن تُراعى فيه المصلحة العليا للبلاد بعيدًا عن التجاذبات والرؤى الضيقة، لأن الحديث هنا لا يتعلق بوظائف أو مواقع إدارية فحسب، وإنما بمنظومة أمنية سيادية تمثل إحدى الركائز الأساسية لحماية الطيران المدني السوداني.
إن التفريط في قطاع أمن الطيران، أو إضعافه بسبب خلافات حول الموقع التنظيمي أو المرجعية الإدارية، يُعد تفريطًا في ثروة قومية وخبرة تراكمية نادرة استثمرت فيها الدولة سنوات طويلة من التدريب والتأهيل وبناء القدرات. فهذه المنظومة لا تُقاس بالمباني أو المعدات وحدها، وإنما بالكادر البشري المؤهل والانضباط المهني والعقيدة الأمنية المتراكمة عبر السنين.
وفي أمر النهوض بأمن الطيران، تُعتبر الروح المعنوية من أهم أدوات رفع الجاهزية والكفاءة لأي قوة نظامية، إذ إن العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية في تنفيذ المهام الأمنية الحساسة داخل المطارات والمنشآت الجوية. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة هيكلة قطاع أمن الطيران وتوفيق أوضاعه تُعد من أهم عوامل الاستقرار النفسي والمهني للعاملين، لما توفره من وضوح في الاختصاصات، وعدالة في الترقيات، وتحسين في بيئة العمل، وتعزيز للإحساس بالانتماء المؤسسي.
كما أن الهيكلة الحديثة تسهم في بناء منظومة احترافية قادرة على التعامل مع التهديدات المتطورة التي تواجه أمن الطيران، بدءًا من المخاطر التقليدية وحتى التهديدات السيبرانية والمسيّرات والاختراقات الأمنية المعقدة. فالعامل الذي يشعر بالاستقرار والتقدير والتدريب المستمر يكون أكثر انضباطًا ويقظةً واستعدادًا لحماية المطار والطائرة والمسافر.
ومن هنا تبرز ضرورة حسم أوضاع القطاع بصورة واضحة وعادلة تعيد إليه الاستقرار والثقة والهيبة، باعتباره أحد أهم مؤشرات قوة الدولة في مجال الطيران المدني، وأحد القطاعات التي ترتبط بصورة مباشرة بأمن البلاد وسمعتها والتزاماتها الدولية أمام منظمة International Civil Aviation Organization والمجتمع الدولي للطيران.
