سماء السودان… حين كانت الأجواء أداةً للسيادة والقرار السياسي

سودافاكس ـ في تاريخ السودان السياسي، لم تكن الأجواء مجرد ممرات للطائرات، بل كانت في كثير من الأحيان ساحةً تُدار فيها معارك السيادة والقرار الوطني.
فقد لعبت الدولة السودانية، عبر مؤسسات الطيران المدني والقوات المسلحة، أدواراً سياسية وإقليمية بالغة الحساسية، مستخدمةً حقها السيادي في التحكم في الأجواء والمطارات كأداة من أدوات السياسة الخارجية والأمن القومي.
و من بين الشذرات المهمة في هذا التاريخ، ما حدث في الخامس عشر من نوفمبر عام 1967، حين أصدر رئيس مجلس السيادة السوداني آنذاك الزعيم طيب الذكر إسماعيل الأزهري قراراً بمنع الطائرات التي تقل المرتزقة من عبور الأجواء السودانية أو استخدام مطارات البلاد.
و جاء القرار استجابةً لطلب من الرئيس الكونغولي موبوتو سيسي سيكو، في ظل التوترات التي شهدتها منطقة الكونغو آنذاك، وما ارتبط بها من حركات تمرد وعمليات عسكرية معقدة.
ذلك القرار لم يكن مجرد إجراء فني يتعلق بالملاحة الجوية، بل كان إعلاناً واضحاً بأن السودان يدرك خطورة أن تتحول أجواؤه إلى ممرات للحروب بالوكالة أو لتغذية النزاعات الإقليمية.
و بعد سنوات، وفي عهد الرئيس جعفر نميري، اتخذ السودان موقفاً مشابهاً حين منع طائرات ليبية من عبور الأجواء السودانية، بعد معلومات تفيد بأنها كانت في طريقها لدعم قوات يوري موسيفيني في صراعه ضد الرئيس الأوغندي عيدي أمين.
و يكشف ذلك الموقف كيف كانت الخرطوم تدرك أن السماح أو المنع في عالم الطيران ليس قراراً إدارياً بسيطاً، بل قد يغيّر موازين صراع كامل في الإقليم.
أما في عام 1987، وخلال فترة الحكومة الديمقراطية الثالثة، فقد اتخذ السودان قراراً آخر يحمل ذات الدلالة السيادية، حين مُنعت طائرة رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى من عبور الأجواء السودانية أثناء توجهها إلى إسرائيل.
وكان ذلك القرار انعكاساً مباشراً لموقف السودان السياسي آنذاك، ولطبيعة البيئة الإقليمية العربية والأفريقية في تلك المرحلة.
هذه الوقائع، رغم تباعدها الزمني، تكشف حقيقة مهمة كثيراً ما يغفلها الناس:
أن إدارة الأجواء ليست مجرد خدمات ملاحة أو تصاريح عبور أو إجراءات فنية تصدرها سلطات الطيران المدني، بل هي في جوهرها ممارسة يومية للسيادة الوطنية.
فالدول التي تملك قرار أجوائها تملك جزءاً مهماً من قرارها السياسي والأمني.
ولهذا ظلت المطارات ومراكز المراقبة الجوية وغرف التصاريح السيادية مرتبطة مباشرة بمفاهيم الأمن القومي، لأن الطائرة العابرة قد تحمل دبلوماسيين، وقد تحمل سلاحاً، أو مرتزقة، أو رسائل سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا.
لقد كان السودان، في مراحل مختلفة من تاريخه، لاعباً مهماً في الإقليم، وكانت أجواؤه جزءاً من معادلات القرن الأفريقي ووسط أفريقيا والعالم العربي.
ولذلك فإن قراءة تاريخ الطيران السوداني لا ينبغي أن تقتصر على الحديث عن المطارات والطائرات والخطوط الجوية فقط، بل يجب أن تمتد لفهم الدور السياسي والاستراتيجي الذي لعبته الأجواء السودانية في صناعة التوازنات الإقليمية.
واليوم، ومع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى لإعادة بناء منظومة طيران مدني قوية وحديثة، قادرة ليس فقط على تقديم الخدمات الفنية، وإنما أيضاً على حماية القرار السيادي السوداني في السماء، تماماً كما فعلت الأجيال السابقة في محطات مفصلية من تاريخ البلاد.
طيران بلدنا



