“فلتة” الهلال البورندي.. كيف تحوّل جان كلود من مجهول إلى أيقونة أفريقية؟

سودافاكس – من ملاعب بوروندي الهادئة إلى أضواء القارة الأفريقية الصاخبة.. ومن لاعب لا يعرفه كثيرون إلى أحد أبرز نجوم الهلال وأكثرهم تأثيرًا.. هكذا بدأت حكاية البورندي جان كلود جيروموجيشا، اللاعب الذي تحول خلال فترة قصيرة إلى القلب النابض للهلال وورقته الرابحة في أصعب المواعيد.
ولد جان كلود في 18 سبتمبر 2004، ولم يكن أحد يتوقع أن ذلك الفتى النحيل القادم من نادي فيتالو البورندي سيصبح لاحقًا واحدًا من ألمع مواهب أفريقيا. يجيد اللعب في مركز الجناح الهجومي والمهاجم المتحرك، وظهرت موهبته مبكرًا خلال مشاركته مع منتخب بوروندي للشباب في بطولة سيكافا تحت 20 عامًا التي أقيمت بالخرطوم قبل اندلاع الحرب، حين خطف الأنظار بسرعته الكبيرة ومهاراته الفردية وقدرته على صناعة الفارق.
بصفقة متواضعة جاء إلى الهلال.. واليوم تُقدّر قيمته بالملايين
هناك لمح فلوران إيبينجي الموهبة الاستثنائية، فآمن به مبكرًا ودفع الهلال للدخول في مفاوضات جادة انتهت بالتعاقد معه مقابل مبلغ وصفه بعض قادة النادي لاحقًا بأنه “ضئيل إلى درجة محرجة” مقارنة بما أصبح عليه اللاعب اليوم. وقتها بدت الصفقة عادية للكثيرين، لكن الهلال كان في الواقع يعثر على كنز كروي حقيقي.
منذ وصوله إلى أم درمان بدأ جان كلود في كتابة فصول قصته الخاصة. لاعب صغير في السن، لكنه يملك شخصية الكبار. لم يحتج إلى وقت طويل ليفرض نفسه داخل التشكيلة الأساسية بفضل سرعته الخارقة، ومهاراته في المساحات الضيقة، وجرأته في المواجهات الفردية، إلى جانب تحركاته الذكية خلف الدفاعات وقدرته على التسديد والحسم.
وفي الليالي الأفريقية الكبرى ظهر المعدن الحقيقي للنجم البورندي. تحول إلى لاعب يصنع الفارق في أكثر اللحظات تعقيدًا، وسجل أهدافًا مؤثرة قادت الهلال إلى مراحل متقدمة قارياً، ليصبح أحد أهم عناوين النهضة الفنية التي يعيشها الفريق.
ومع مرور الوقت لم يعد جان كلود مجرد موهبة واعدة، بل أصبح “المنقذ” الذي تنتظره جماهير الهلال كلما تعقدت المباريات. المدرب الروماني ريجيكامب يراه لاعبًا لا يمكن الاستغناء عنه في المواجهات الكبرى التي تحتاج إلى لاعب مهاري قادر على الحسم، وهي ذات القناعة التي تمسك بها فلوران إيبينجي منذ البداية، إذ يؤكد دائمًا أن أي مدرب يعمل مع الهلال في وجود جان كلود يُعد محظوظًا لأنه يمتلك أحد أهم مفاتيح الانتصار.
داخل غرفة الملابس أيضًا، تحول اللاعب إلى شخصية محبوبة بين زملائه. يمتلك روحًا مرحة وحضورًا خفيفًا جعله قريبًا من الجميع. نائب رئيس الهلال الباشمهندس محمد إبراهيم العليقي وصفه بـ”الفلتة”، مشيدًا بانضباطه الكبير ورغبته المستمرة في التطور.
أما الكابتن خالد بخيت، مساعد المدرب السابق، فيرى أن جان كلود يملك كل مقومات اللاعب الجاهز للمواعيد الكبيرة، من النوعية التي لا تخذلك تحت الضغط. بينما يؤكد مدير الكرة السابق عبد المهيمن الأمين، الذي لعب دورًا مهمًا في تطويره، أن أكثر ما يميز اللاعب إلى جانب إمكاناته الفنية هو انضباطه وأخلاقه وتواضعه، معتبرًا أنه يملك القدرة على اللعب في أقوى الدوريات العالمية.
واليوم، وبعد تتويجه بجائزة أفضل لاعب في الدوري الرواندي عقب قيادة الهلال لحصد اللقب قبل نهاية المنافسة، بات اسم جان كلود حاضرًا بقوة في سوق الانتقالات الأفريقية. اللاعب الذي جاء بمبلغ متواضع تجاوزت قيمته السوقية الآن أربعة ملايين دولار، بل إن أحد كبار الأندية الليبية حاول التعاقد معه بهذا الرقم، غير أن الهلال أغلق الباب تمامًا، إدراكًا منه أن ما يملكه ليس مجرد محترف أجنبي، بل مشروع أسطورة جديدة للنادي.
لم يعد جان كلود مجرد لاعب يرتدي قميص الهلال.. بل أصبح روح الفريق، وأيقونة للجماهير، وقصة نجاح تؤكد أن العين الفنية الحقيقية قادرة دائمًا على اكتشاف الذهب حتى في أبسط الصفقات. إنها حكاية لاعب خرج من الظل.. ليصبح اليوم واحدًا من ألمع نجوم القارة السمراء.



