الكهرباء “جات أملوا الباغات”..
عثمان ميرغني
عقد مجلس الأمن والدفاع اجتماعاً أمس، وصدرت عنه عدة قرارات. لفت نظري من بينها التوجيه بتوفير الكهرباء والمياه للمواطنين. وهذا بالطبع استجابة للشكوى المريرة من طول ساعات انقطاع الكهرباء، وحرمان كثير من الأعمال والمؤسسات من العودة إلى نشاطها الطبيعي بسبب غياب الطاقة.
عثمان ميرغني يكتب: الحكومة كائن حي..
الذي أثار استغرابي في هذا التوجيه هو أن “توفير الكهرباء” لا يمكن أن يتحقق بمجرد إصدار تعليمات أو توجيهات، مهما كانت الجهة التي تصدرها. فالكهرباء ليست مثل الخبز الذي يحتاج فقط إلى توفير الدقيق ثم متابعة المخابز لضمان إنتاج الكميات المطلوبة.
في العنوان الرئيسي لصحيفة “الأيام” في نوفمبر 1982، كان هناك تصريح لوزير الكهرباء آنذاك يكشف للمواطنين أن أزمة الكهرباء التي تعاني منها البلاد ستتفاقم. وقد تفاقمت فعلاً حتى أرغمت الشعب السوداني على تأليف أغنية طريفة تقول:
«الكهرباء جات أملوا الباغات.. قبال تقطع.. هسي بتقطع..»
قال الوزير إن الأزمة ستزداد خلال الصيف، وبشر المواطنين بـ«صيف جهنمي» بلا كهرباء.
الآن مر على ذلك الزمن قرابة نصف قرن، والحال ياهو ذاتو الحال. فكيف يتوقع مجلس الأمن والدفاع أن مشكلة لم تُحل طوال نصف قرن يمكن التخلص منها بتوجيه يصدر من اجتماع؟
إنتاج الطاقة الكهربائية يتطلب خططاً بعيدة المدى، لا تلبي الاحتياجات الآنية فحسب، بل تتوقع الزيادة في الطلب وتنفذ مشاريع الطاقة التي تواكب هذه التوقعات.
يحتاج الأمر إلى خطة استراتيجية تنظر لخمس سنوات فأكثر، ثم تبدأ بتنفيذ مشاريع التوليد والنقل والتوزيع بما يتوافق مع النمو المتسارع في كل القطاعات: السكنية والزراعية والصناعية وغيرها.
في كتابي «السودان: الجمهورية الثانية» قدمت خطة استراتيجية طموحة تستهدف إنتاج 30 جيجاوات في أقل من خمس سنوات، تعتمد كلياً على إعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي، وإتاحة الاستثمارات الخاصة والأجنبية فيه.
