بين النقد و الإنصاف … هل تحولت أزمة الأمتعة إلى حملة على شركات الطيران السودانية؟

سودافاكس ـ في الأيام الأخيرة، تصاعد الجدل بصورة لافتة حول أزمة تأخر الأمتعة في بعض الرحلات الجوية، بعد تداول مقاطع فيديو و شكاوى لمسافرين عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام موجة انتقادات حادة لشركات الطيران.

و لا شك أن تأخر الأمتعة يُعد من المشكلات المزعجة التي تؤثر بصورة مباشرة على تجربة المسافر، خاصة عندما يكون المسافر مرتبطاً بمواعيد أو ظروف خاصة، ولذلك فإن معالجة هذه الأزمات وتحسين الخدمات التشغيلية يبقى واجباً أساسياً على شركات الطيران و المطارات على حد سواء ولا يسمح لأحد بالتنصل من المسؤولية كل بحسبه .

لكن، وفي خضم هذا التناول الإعلامي المكثف، يبرز سؤال مهم:
هل أصبح النقاش يدور حول معالجة المشكلة فعلاً، أم أن بعض الاطروحات تجاوزت حدود النقد المهني إلى صناعة صورة سلبية كاملة عن شركات الطيران؟

الحقيقة التي يعرفها العاملون في قطاع الطيران أن مسألة تأخر الأمتعة ليست ظاهرة جديدة أو محصورة في شركة بعينها، بل تُعد من التحديات التشغيلية المعروفة عالمياً، حتى في أكبر المطارات وشركات الطيران الدولية، وتحدث لأسباب متعددة تشمل : ضغط الرحلات، التحويلات التشغيلية، الأعطال الفنية، أو ظروف المناولة الأرضية.

توضيح من تاركو للطيران حول تأخير التسليم في الأمتعة

غير أن ما يحدث حالياً هو أن بعض المقاطع المتداولة على وسائل التواصل تُقدم الأزمة وكأنها انهيار كامل لمنظومة النقل الجوي، دون وضع الأمور في سياقها الطبيعي أو المهني فيشعر المتابع وكأنها حملة ممنهجة لإهدار الايجابيات وإظهار السلبيات فقط .

العدل يقتضي كذلك النظر إلى الصورة الكاملة، فشركات الطيران السودانية — رغم كل الظروف المعقدة التي مرت بها البلاد منذ اندلاع الحرب — استطاعت أن تحافظ على الحد الأدنى من التشغيل، وأن تستمر في ربط السودان بالعالم الخارجي، في وقت شهد فيه القطاع تحديات تشغيلية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة.

كما أن هذه الشركات واجهت ضغوطاً هائلة تتعلق بالمطارات البديلة، و إعادة جدولة الشبكات، وارتفاع تكاليف التشغيل، وصعوبات الصيانة و الإمداد، ومع ذلك استمرت في نقل آلاف المسافرين وتشغيل خطوط داخلية وخارجية في ظروف استثنائية. فمن غير المنصف أن يتم تجاهل كل هذه الجهود والتركيز فقط على الجانب السلبي، مهما كانت أهمية المشكلة المطروحة.

تاركو تستأنف رحلاتها بين الخرطوم الدوحة

إن الحديث عن الإنصاف لا يعني إطلاقاً الدفاع عن الأخطاء أو التقليل من معاناة المسافرين، فحقوق الركاب يجب أن تُحترم، وأي قصور تشغيلي ينبغي أن تتم معالجته بشفافية ومهنية وأن يحاسب المتسبب فيه فورا .

لكن في المقابل، فإن تحويل أي أزمة تشغيلية إلى مادة للهجوم المستمر، أو تقديم شركات الطيران وكأنها لا تقدم شيئاً سوى الإخفاقات، يخلق حالة من عدم التوازن في الطرح الإعلامي ، فالنقد الحقيقي هو الذي يهدف إلى الإصلاح، لا إلى الهدم، وإلى المعالجة لا إلى التشويه.

و عليه تبقى المعادلة الأهم هي تحقيق التوازن بين حق المسافر في خدمة محترمة وسريعة، وحق المؤسسات الوطنية في تقييم عادل لا يُسقط إنجازاتها بسبب أخطاء أو أزمات ظرفية عابرة . فالإنصاف لا يعني الصمت عن الخطأ، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء كامل لكل ما تحقق.

و في النهاية، يبقى العدل في تناول القضايا هو الأساس، لأن الحقيقة الكاملة لا تُبنى على مقطع فيديو واحد، ولا على لحظة غضب عابرة، بل على قراءة متوازنة ترى الإيجابيات والسلبيات معاً .

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.