تاركو في وجه العاصفة.. نقاط على الحروف !

سودافاكس ـ دعونا نبدأ هذا المقال بأسئلة والإجابة عليها، لأنها بالغة الأهمية:

هل أخطأت شركة تاركو في عدم العثور على أمتعة ركاب وتأخيرها؟

الإجابة: نعم، وبلا مواربة، تتحمل المسؤولية كاملة.

هل الراكب معنيّ بالظروف التشغيلية التي تتسبب أحيانًا في ضياع أمتعته أو تأخير وصولها؟

غير معنيّ بهذا الأمر بتاتًا، فهو يدفع المال مقابل خدمة يُفترض أن تُقدَّم بجودة عالية، والقاعدة الذهبية تؤكد أن “العميل دائمًا على حق”، و في هذه الجزئية تحديدًا فالحق معه.

هل تأخرت تاركو في إصدار البيان؟

نعم، وكان ينبغي عليها — ليس في الحادثة الأخيرة فحسب، بل في أكثر من مناسبة — أن تُصدر توضيحات للعملاء حول تأخير أو فقدان الأمتعة، احترامًا للراكب، مشهورًا كان أم مغمورًا، فكلاهما يشتركان في صفة “مسافر”، و لهما حقوق كما عليهما واجبات.
إذن، و مهما كانت المبررات، فإن شركة كبيرة مثل تاركو ينبغي ألا تقع في أخطاء تكون سببًا في فقدان الراكب لحقوقه.

توضيح من تاركو للطيران حول تأخير التسليم في الأمتعة

لكن السؤال الأهم:
هل الغرض من هذا المقال الدفاع عنها؟ وما علاقتي بها؟

فيما مضى، كانت تجمعني علاقة جيدة بالشركة بحكم تخصصي قبل سنوات في إعلام الطيران. وقبل عامين، دوّنت ضدي بلاغًا لدى نيابة المعلوماتية، _ وهذا حقها، لأن اللجوء إلى القانون سلوك حضاري _، و البلاغ كان سببًا في حظري عن السفر لعامٍ ونصف.

و كان يُفترض — في مثل هذه الحالة — أن أناصبها العداء،ولكن لست من الذين يتعاملون بالعاطفة والانفعال، ولا من الذين يتنكرون لعلاقات الأخوة التي جمعتني برجال وأصدقاء داخلها، ولله الحمد، لست من هؤلاء ولا أولئك.

كل ما فعلته طوال عامين هو الابتعاد عن الكتابة عنها سلبًا أو إيجابًا، وكنت — وما زلت — أتعامل مع أخبارها بمهنية، لأن منصة “طيران بلدنا” وُجدت من أجل دعم صناعة الطيران في السودان، لإدراكنا التام أن هناك دولًا كثيرة يسعدها أن تنهار هذه الصناعة في بلادنا.

لذا تعاملت مع بلاغها بهدوء وحتى الزملاء الصحفيين الذين ذهبوا معي لإجراء الضمانة طلبت منهم عدم نشر خبر حول هذا الأمر ،ربما تقديرا لأشخاص في تاركو احترمهم وقد يكون ذلك بدافع ترويض نفسي و الانتصار عليها وربما للتعامل الراقي الذي وجدته من الأخوة بنيابة المعلوماتية.

وبناءً على ما ذكرته، علينا تثبيت حقيقة مهمة: لا مصلحة شخصية لي في الكتابة عن تاركو، كما أنني لا أكتب طمعًا في شطب البلاغ، لأن القضاء العادل يفصل بين المتخاصمين.

و استنادًا إلى كل ذلك ورغم المعطيات التي ذكرتها من المفترض أن أكون آخر من يكتب دفاعا عن تاركو،لكن ثمة شيئًا داخليًا يدفعني للكتابة عن هذه الشركة، التي شاءت الأقدار أن تكون في وجه العاصفة ، قد يكون دافعي وطني بحت أو انطلاقًا من مسؤولية أخلاقية تجاه شركة أعرفها جيداً،وربما تقديراً لرجل احترمه جدا في تاركو.وقد تكون كل الأسباب مجتمعة.

و بطبيعة الحال، لكل شخص الحرية في نقدها ومهاجمتها، ولكن — و من باب الأمانة — فإن تاركو ليست بهذا السوء الذي يحاول البعض ترسيخه، بل أعتبرها من الشركات الناجحة في السودان، وهو أمر يفترض أن يدفعنا إلى تقويمها بهدوء وموضوعية إذا أخطأت، ودعمها إذا نجحت.ففي النهاية، هي شركة أسسها سودانيون، ويعمل فيها أبناء هذا الوطن، وتهبط طائراتها في المطارات باسم السودان.

وهنا نذكر بعض الحقائق التي لايمكن القفز فوق اسوارها وعلينا وضعها في الاعتبار ونحن نتعاطي أمر هذه الشركة:

تاركو، و منذ أكثر من عقد، لم يُسجل التاريخ عليها حادثًا، و هذا يعني حرصها الكبير على السلامة.

و تاركو — و أنا من الشاهدين — كانت حاضرة في معسكرات النازحين بدارفور، تقف مع الصغار، وتمسح عن أعينهم دموع الأسى والحرمان، و تنفذ العديد من البرامج الإنسانية.

كما نقلت مجانًا مصابي ثورة ديسمبر إلى القاهرة، وعادت وفعلت الأمر ذاته مع مصابي الحرب الحالية.

و قبل الحرب، شهدت حضورها في دور الأيتام والعجزة والمسنين، وبين أوائل الشهادة السودانية، وكنت شاهدًا على دعمها لطلاب الخلاوي، وتوفير السقيا في المدارس.

و بعد الحرب، فإنها سجلت الكثير من المواقف، منها نقل الطلاب الذين تم قبولهم في الجامعات العراقية إلى القاهرة بتذاكر مخفضة ،وكذلك ظلت تحرص على نقل الأدوية والإعانات الإنسانية مجانًا.

و أنا أيضًا من الشاهدين على أنها من الشركات التي تحرص على تخفيض أسعار تذاكر مرضى السرطان والفشل الكلوي، إذ تصل التخفيضات أحيانًا إلى النصف، و أحيانًا تمنحهم تذاكر مجانية بالكامل.

و تدفع تاركو للدولة ضرائب ورسومًا سنوية تُقدّر بملايين الدولارات، و توفر فرص عمل و هي من الشركات الرائدة في منح الشباب الفرصة كاملة اذا يمثلوا أكثر من 80٪ من قواها العاملة.

ورغم انها خسرت مئات الملايين من الدولار بسبب الحرب بدمار طال طائرات وأصول ثابتة ومتحركة ورغم ذلك نهضت من تحت الرماد بقوة إرادة سودانية .

نعم هناك من فقد حقائبه ومن تأخرت الشركة في تسليمها له،لكن علينا أن نضع في الاعتبار أن تاركو تُسيّر رحلات يوميا وتقل عشرات الآلاف شهريا ونسبة الحقائب التي تتأخر أو تتخلف تظل رقمًا متواضعًا، ولو كان الأمر بخلاف ذلك لترك الركاب السفر عبرها.لانجد لها العذر لكن هي الحقيقة.

لماذا لا أؤيد الهجوم الحاد عليها ؟

لأنها قصة نجاح سودانية، مثلها مثل سودانير ،بدر للطيران،صن اير، نوفا وألفا،علينا أن نبقى على شمعة شركاتنا متقدة،لأن ان نكون سببا في تراجعها وانهيارها واطفاء ضؤها.. نحن نعرف جيدًا حجم المعاناة التي تواجهها هذه الشركات، وهي تقاوم الظروف من أجل هذا الوطن، حتى لا يكون الإنسان السوداني تحت رحمة شركات الطيران الأجنبية.

لكل شخص الحق في انتقاد تاركو إذا أخفقت، فحرية الرأي حق مكتسب لايمكن مصادرته ،لكنني لا أظن أن الهجوم عليها بهذه الشكل يُعد موضوعي كما أنه ليس عادلا.فهذه شركة سودانية توفر فرص عمل لأكثر من 1300 عامل وموظف، وتنقل سنويًا مئات الآلاف من السودانيين، وليس من العدل تجريدها من كل نجاحاتها بسبب لحظة إخفاق، ففي هذا إجحاف بحق من اجتهد ولم يهرب بأمواله خارج البلاد في أحلك ظروفها.

إن بناء الأوطان لا يكون بالانفعال والسخرية والتدمير، بل بالتقويم و المناصحة و النقد الهادف البنّاء.

ختاماً ..
إلى إدارة تاركو، نضع رسالة في البريد مفادها أن للراكب حقوقًا ما دام يدفع مالا، يجب أن يحظى بخدمة متكاملة، مع ضرورة خفض الأخطاء و القصور إلى أدنى الدرجات. نقف معكم ونسندكم لكن نتعاطف مع المسافر وندعمه،فهكذا هو العدل.

عن تاركو نكتب بتجرد ومسؤولية…
من أجل البلد، ومن أجل الحقيقة، ومن أجل انتصار المبادئ على الذات الفانية.

خارج النص
والله إن في تاركو شبابًا وشابات يرفعون الرأس: أدب، وهمّة، واجتهاد. و ما عبدالوهاب اللعوتة ومرام إلا نموذجين فقط.

ادعموهم… فهم شبابنا.

رئيس التحرير

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.