قطاع الطيران المدني بالسودان “ريسين غرقوا مركب”

سودافاكس ـ يقول المثل الشعبي : “ريسين غرقوا مركب”، و هو مثل بسيط في ألفاظه عميق في معناه، إذ يختصر حقيقة إدارية معروفة مفادها أن تعدد مراكز القرار وتضارب السلطات غالباً ما يقود إلى الارتباك و الفشل مهما حسنت النوايا.
و لعل هذا المثل ينطبق إلى حدٍ كبير على واقع الطيران المدني السوداني في صورته الحالية.
و عندما أتحدث عن الطيران المدني، فإنني لا أقصد سلطة الطيران المدني وحدها، ولا الشركة السودانية للمطارات بمفردها، بل أعني القطاع بأكمله باعتباره منظومة واحدة مترابطة تضم الجهات الرقابية و التشغيلية والخدمية. فنجاح أي جزء من هذه المنظومة مرتبط بنجاح الأجزاء الأخرى، كما أن تعثر أحد مكوناتها ينعكس على أداء القطاع كله.
إن ما يشهده هذا القطاع الحيوي من هزات واضطرابات وأزمات متكررة ليس وليد اللحظة، ولا هو نتيجة لأخطاء أفراد أو إدارات بعينها، بل هو في جوهره نتاج لعملية تقسيم لم تُبنَ على أسس مهنية و علمية راسخة.
فقد جرى تنفيذ هذا التحول المؤسسي دون رؤية استراتيجية متكاملة، و دون دراسة كافية لطبيعة صناعة الطيران و تعقيداتها و تشابك مكوناتها، الأمر الذي جعل عملية التقسيم أقرب إلى الارتجال منها إلى التخطيط المؤسسي المدروس.
و لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل إن عملية التحول نفسها لم تُصاحبها خطة مرحلية واضحة أو تدرج مدروس في التطبيق يضمن انتقالاً سلساً للمسؤوليات والموارد والكوادر والاختصاصات. فكانت النتيجة ظهور فجوات تنظيمية وإدارية عديدة، سرعان ما تحولت إلى تحديات مزمنة أثرت بصورة مباشرة على كفاءة الأداء المؤسسي.
و قد أفضى هذا الواقع إلى أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة أو قطاع، وهو ازدواجية مركز القرار. ففي كثير من الأحيان أصبحت المسؤوليات متداخلة، والحدود الفاصلة بين السلطات التنفيذية و الرقابية غير واضحة بالصورة المطلوبة، مما أوجد حالة من التردد في اتخاذ القرار أحياناً، والتضارب في القرارات أحياناً أخرى. وأصبح القطاع وكأنه يتحرك بقيادتين ورؤيتين مختلفتين، بينما تتطلب صناعة الطيران وحدة الهدف وتكامل الأدوار وانسجام القرارات.
إن الفصل بين الوظائف الرقابية والتشغيلية مبدأ عالمي سليم تدعو إليه منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، لكنه يختلف تماماً عن التجزئة المؤسسية التي تخلق جزرًا معزولة داخل القطاع الواحد. فالفصل الوظيفي الناجح يهدف إلى تعزيز الحوكمة و الشفافية و الرقابة الفعالة، بينما تؤدي التجزئة غير المدروسة إلى إضعاف التنسيق و تفتيت المسؤوليات وتضارب المصالح.
و من المؤسف أن الجهد الذي كان ينبغي أن يُوجَّه إلى تطوير المطارات و تحديث أنظمة الملاحة الجوية وتعزيز السلامة والأمن وبناء القدرات البشرية، أصبح يُستهلك في معالجة آثار الانقسام المؤسسي ومحاولات التوفيق بين جهات يفترض أن تعمل ضمن منظومة واحدة وبهدف واحد.
و اليوم، و بعد ما مر به السودان من ظروف استثنائية وتحديات جسيمة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة شاملة لتجربة هيكلة قطاع الطيران المدني، ليس بهدف العودة إلى الماضي، و إنما بهدف تصحيح المسار وبناء نموذج مؤسسي أكثر كفاءة و وضوحاً و تكاملاً.
نموذج يحقق متطلبات الرقابة والاستقلالية وفق المعايير الدولية، وفي الوقت نفسه يحافظ على وحدة الرؤية والقرار ويمنع تضارب الاختصاصات.
إن الطيران المدني السوداني يحتاج إلى قيادة مؤسسية موحدة في الرؤية، متكاملة في الأداء، واضحة في المسؤوليات. فالسفينة التي تتعدد فيها مراكز القيادة لا تصل إلى وجهتها بسهولة، و القطاع الذي تتنازع قراره جهات متعددة يظل أسير الأزمات مهما توفرت له الموارد و الإمكانات.
و يبقى الدرس الذي تعلمه الأجيال من المثل الشعبي القديم صالحاً لكل زمان و مكان: “ريسين غرقوا مركب”.
أما في الطيران المدني، فإن إنقاذ المركب لا يكون بتبادل الاتهامات، بل بإصلاح الخلل الهيكلي، وتوحيد الرؤية، وتحديد المسؤوليات، والعمل بروح الفريق الواحد من أجل مستقبل قطاع يمثل أحد أهم مفاتيح التنمية و إعادة الأمور الي نصابها.
طيران بلدنا



