المهنة الواحدة و الحقوق المتباينة : إشكالية التمييز بين موظفي السلطة و شركة المطارات

سودافاكس ـ منذ تطبيق سياسة الفصل المؤسسي في قطاع الطيران المدني السوداني، ظل سؤال مهم يتردد بين العاملين في هذا القطاع الحيوي: لماذا يشعر موظفو شركة المطارات بالتمييز مقارنة بزملائهم في سلطة الطيران المدني، رغم أنهم أبناء مهنة واحدة وتخرجوا من نفس المشرب المهني ويحتكمون إلى ذات المعايير الدولية؟

فعند النظر إلى طبيعة العمل في القطاع، نجد أن العاملين في السلطة و شركة المطارات تلقوا في معظمهم نفس التأهيل الأكاديمي والمهني، و خضعوا لذات برامج التدريب، ويحملون الرخص والشهادات المهنية نفسها، ويعملون وفق المعايير التي وضعتها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO). فالمهنة واحدة، والمسؤولية واحدة، ومتطلبات الكفاءة والسلامة واحدة، ولا تفرق المعايير الدولية بين موظف يتبع للسلطة وآخر يتبع لشركة المطارات.

غير أن أول مظاهر التمييز ظهرت عندما أصبح العاملون يخضعون لقانونين مختلفين. فموظفو سلطة الطيران المدني يخضعون لقانون الخدمة المدنية القومية، بينما يخضع موظفو شركة المطارات لقانون العمل السوداني لسنة 2007. وهنا بدأت الازدواجية في شروط الخدمة والحقوق والواجبات والمسارات الوظيفية.

فرصة ذهبية للسودانيين.. الخطوط القطرية تفتح باب التوظيف في مطار بورتسودان

لقد ترتب على هذا الوضع تفاوت في الرواتب والبدلات والحوافز و الاستحقاقات الوظيفية، واختلاف في نظم الترقي والتدرج الوظيفي و المعاشات والتقاعد. وأصبح الانتماء المؤسسي في كثير من الأحيان عاملاً مؤثراً في الوضع الوظيفي للموظف أكثر من مؤهلاته المهنية و خبراته العملية.

لكن شعور موظفي شركة المطارات بالتمييز لا يرتبط فقط باختلاف القوانين واللوائح، بل يمتد إلى تحول جوهري في طبيعة العلاقة بينهم وبين الدولة فهم الان قطاع عام بقانون القطاع الخاص.
في الماضي كان الجميع جزءاً من مؤسسة قومية واحدة تمثل الدولة وتشكل مظلتها وحاميها وضامن استقرارها. وكانت الوظيفة في الطيران المدني مرتبطة بمرفق سيادي واستراتيجي تتولى الدولة مسؤوليته بصورة مباشرة.

أما بعد الفصل المؤسسي، فقد وجد موظفو شركة المطارات أنفسهم في واقع مختلف تحكمه اعتبارات السوق والإيرادات والربحية والخسارة والتوازنات المالية و مزاجية الادارة . وأصبحت استدامة وظائفهم ومكتسباتهم مرتبطة بالأداء المالي للشركة وقدرتها على تغطية نفقاتها وتحقيق التوازن التشغيلي.

وفي المقابل، ظل موظفو السلطة يتمتعون بالمظلة القانونية والمؤسسية التي توفرها الدولة من خلال نظام الخدمة المدنية. ومن هنا نشأ الإحساس بأن موظفي شركة المطارات فقدوا الغطاء الذي كانوا يتمتعون به سابقاً، وأصبحوا يواجهون تحديات السوق والرأسمال والخسارة، بينما ظل زملاؤهم يتمتعون بدرجة أعلى من الاستقرار الوظيفي والحماية المؤسسية.

ولعل المفارقة الكبرى أن هذا التمييز لم ينشأ بسبب اختلاف المهنة أو المؤهلات أو المسؤوليات، بل بسبب اختلاف الجهة الإدارية التي يتبع لها الموظف. فالاثنان تخرجا من نفس المشرب المهني، وتلقيا ذات التدريب، ويحملان ذات الرخص المهنية، ويحتكمان إلى ذات المعايير الدولية، بل إنهما يعملان أحياناً في ذات المطار ولخدمة ذات الهدف الوطني.

آثار التمييز على قطاع الطيران المدني

إن أخطر ما في هذا التمييز أنه لا يؤثر على العاملين فقط، بل يمتد أثره إلى القطاع بأكمله. فعندما يشعر أبناء المهنة الواحدة بأنهم يعاملون بمعايير مختلفة، تتراجع روح الانتماء للمنظومة المشتركة لتحل محلها مشاعر الإحباط والغبن وعدم الرضا.

كما يؤدي ذلك إلى إضعاف مفهوم الفريق الواحد الذي تقوم عليه صناعة الطيران. فالسلطة وشركة المطارات ليستا جهتين متنافستين، بل شريكان في منظومة واحدة تعتمد على التنسيق والتكامل المستمر. وعندما تتسع الفجوة النفسية والمهنية بين العاملين فيهما، تتأثر بيئة العمل وينعكس ذلك على الأداء العام للقطاع.

وقد ساهم هذا الواقع في فقدان بعض الكفاءات الوطنية التي فضلت البحث عن فرص أكثر استقراراً وعدالة داخل السودان أو خارجه. فالخبرات الفنية المتخصصة في مجالات المطارات والملاحة الجوية والسلامة الجوية تمثل ثروة وطنية يصعب تعويضها.

كما أن استمرار هذا الوضع يضعف الحافز نحو التطوير المهني والإبداع، لأن الموظف عندما يشعر أن مستقبله الوظيفي تحدده الجهة التي يتبع لها أكثر مما تحدده كفاءته وخبرته، يفقد الثقة في عدالة النظام الوظيفي.

أما في مرحلة ما بعد الحرب، فإن استمرار هذه الفجوة يمثل تحدياً إضافياً أمام جهود إعادة بناء قطاع الطيران المدني، لأن إعادة تأهيل المطارات والملاحة الجوية تحتاج إلى بيئة مهنية متماسكة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في المسؤولية والفرص والحقوق.

حلول عملية لمعالجة التمييز بين موظفي سلطة الطيران المدني وموظفي شركة المطارات

إن معالجة التمييز بين موظفي سلطة الطيران المدني وموظفي شركة المطارات لا تعني إلغاء الفصل المؤسسي أو العودة إلى النظام السابق، وإنما تعني إزالة الآثار السلبية التي نتجت عن تطبيقه، وتحقيق التوازن بين الاستقلال المؤسسي والعدالة المهنية.

وأول خطوة في هذا الاتجاه هي الاعتراف بوجود المشكلة. فالكثير من الأزمات المؤسسية تتفاقم عندما يتم تجاهلها أو التقليل من آثارها. أما الاعتراف بوجود فجوة بين العاملين في الجهتين فهو المدخل الطبيعي لمعالجتها بصورة علمية وعادلة.

ثانياً، ينبغي إنشاء إطار وطني موحد للمهن الجوية والفنية يحدد المسارات الوظيفية وشروط التأهيل والترقي والتدريب لجميع العاملين في القطاع، بغض النظر عن الجهة التي يتبعون لها. فالمهنة يجب أن تكون هي الأساس، لا المؤسسة التي يعمل فيها الموظف.

ثالثاً، مراجعة شروط الخدمة في المؤسستين بهدف تقليص الفوارق غير المبررة في الامتيازات والحوافز والفرص المهنية، مع مراعاة خصوصية كل مؤسسة. فالعدالة لا تعني التطابق الكامل، لكنها تعني إزالة التفاوتات التي لا تستند إلى أسس موضوعية.

رابعاً، اعتماد سلم مهني موحد للوظائف الفنية المتخصصة في الطيران المدني، بحيث تكون معايير التدرج والترقي قائمة على الرخص المهنية والخبرة والكفاءة والإنجاز، لا على الانتماء الإداري.

خامساً، إنشاء برامج تدريب وتطوير مشتركة بين السلطة وشركة المطارات، بما يعيد بناء مفهوم الأسرة المهنية الواحدة، ويعزز التواصل والتفاهم بين العاملين في مختلف مكونات القطاع.

سادساً، إشراك ممثلي العاملين والخبراء المهنيين في أي مراجعة مستقبلية للهياكل التنظيمية وشروط الخدمة، لأن أصحاب المهنة هم الأقدر على تشخيص المشكلات واقتراح الحلول الواقعية.

وأخيراً، يجب النظر إلى العاملين في قطاع الطيران المدني باعتبارهم ثروة وطنية واستثماراً استراتيجياً، لا مجرد تكلفة تشغيلية. فالمطارات يمكن إعادة بنائها، والأجهزة يمكن استبدالها، لكن بناء الكفاءات والخبرات يحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب والتأهيل.

إن نجاح إصلاح قطاع الطيران المدني السوداني بعد الحرب لن يقاس بعدد المطارات التي يعاد تشغيلها أو الأجهزة التي يتم تركيبها، بل بقدرته على بناء بيئة مهنية عادلة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات والمسؤولية الوطنية. وعندها فقط يمكن أن تتحول مؤسسات القطاع المختلفة إلى منظومة متكاملة تعمل بروح واحدة وهدف واحد من أجل خدمة السودان وطيرانه.

إن القضية في جوهرها ليست قضية سلطة أو شركة مطارات، بل قضية عدالة مهنية. فحين تتوحد المعايير المهنية وتختلف شروط الخدمة، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لأبناء المهنة الواحدة أن يسيروا في طريقين مختلفين وهم ينطلقون من ذات المشرب ويعملون لتحقيق الهدف الوطني .
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل كانت هذه النتائج حتمية؟ وهل كان التمييز الذي نشأ بين العاملين نتيجة طبيعية للفصل المؤسسي؟

الإجابة هي: لا.

فلو تم تطبيق الفصل المؤسسي وفق المفهوم الصحيح الذي أوصت به التجارب الدولية ومعايير الطيران الحديثة، لاقتصر الأمر على الفصل الوظيفي (Functional Separation) بين الجهة الرقابية والجهة التشغيلية، دون أن يتحول إلى فصل مادي أو مؤسسي كامل (Physical Separation) يؤدي إلى تفكيك المنظومة المهنية الواحدة.

فالغرض من الفصل الوظيفي هو منع تضارب المصالح بين الجهة التي تضع اللوائح وتمارس الرقابة، والجهة التي تقدم الخدمات وتشغل المطارات، مع الإبقاء على وحدة المنظومة المهنية والموارد البشرية. أما الذي حدث في كثير من الأحيان فقد تجاوز هذا المفهوم إلى فصل إداري ووظيفي ومالي كامل، أفرز هياكل مختلفة وشروط خدمة متباينة ومسارات مهنية متناقضة.

ولو تم تطبيق الفصل بالصورة المثلى، لظل العاملون جميعاً داخل إطار مهني موحد وهيكل وظيفي واحد وسلم رواتب موحد يقوم على المؤهلات والكفاءة والخبرة والمسؤولية المهنية، مع توزيع الاختصاصات بين الوحدات المختلفة وفق متطلبات الحوكمة والرقابة. وبذلك كانت ستتحقق أهداف الفصل المؤسسي دون أن يدفع العاملون ثمنه من استقرارهم المهني أو شعورهم بالانتماء.

إن نجاح الفصل المؤسسي لا يقاس بإنشاء مبانٍ منفصلة أو هياكل متوازية أو أنظمة خدمة مختلفة، بل يقاس بقدرته على تحقيق الاستقلال الرقابي مع المحافظة على وحدة رأس المال البشري للقطاع. فالناس هم أنفسهم، والمهن هي نفسها، والمعايير التي يحتكمون إليها واحدة، ولذلك فإن العدالة المهنية تقتضي أن يظلوا جزءاً من منظومة وظيفية متجانسة حتى وإن اختلفت مواقعهم التنظيمية.

ومن هنا يمكن القول إن الخلل لم يكن في مبدأ الفصل ذاته، وإنما في الكيفية التي تم بها تطبيقه. فالفصل الوظيفي مطلوب، أما الفصل الذي أدى إلى تمزيق النسيج المهني للقطاع وخلق طبقتين من العاملين داخل المهنة الواحدة، فهو ما يستوجب المراجعة والتصحيح.

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.