الوجه المظلم للطيران الخاص الخفيف

سودافاكس ـ عندما يُذكر الطيران المدني، يتبادر إلى الذهن دوره في نقل الركاب و البضائع، وربط الشعوب، ودعم التنمية الاقتصادية. لكن للتاريخ وجه آخر أقل إشراقاً، يكشف كيف يمكن أن تُستخدم الطائرات الصغيرة و الخفيفة في أنشطة تضر بالإنسان والبيئة والحياة البرية.

أتذكر جيداً أنه في منتصف عام 1986، وبينما كنت أعمل في برج المراقبة بمطار جوبا، تلقيت تقريراً من أحد طياري شركة نايل سفاري العاملين في منطقة شرق الاستوائية. وقد أفاد بأنه شاهد طائرات كينية خفيفة تحلق على ارتفاعات منخفضة فوق مناطق الحياة البرية القريبة من الحدود، وتقوم بمناورات جوية وضوضائية بغرض إخافة الحيوانات ودفعها للتحرك نحو الجانب الكيني.

و رغم أنني لا أملك اليوم ما يؤكد تلك الرواية أو ينفيها بصورة قاطعة، فإنها ظلت عالقة بذاكرتي باعتبارها مثالاً مبكراً على إمكانية استخدام الطائرات للتأثير على البيئة والحياة البرية خارج الأغراض المشروعة التي أنشئ الطيران من أجلها.

قطاع الطيران المدني بالسودان “ريسين غرقوا مركب”

و مؤخراً، أعادت إلى ذهني تلك الواقعة التقارير التي تحدثت عن قيام طائرات إسرائيلية برش مبيدات أعشاب على امتداد الحدود مع لبنان و سوريا.
و وفقاً للتقارير المنشورة، فإن عمليات الرش أدت إلى تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي وتحويل مناطق خضراء إلى أراضٍ جرداء، في إطار سياسة تهدف إلى إبقاء المناطق الحدودية مكشوفة وخالية من أي غطاء نباتي. كما أثيرت مخاوف بيئية وصحية كبيرة بسبب استخدام مواد كيميائية ذات آثار محتملة على الإنسان و الحيوان و التربة.

هذه الوقائع تذكرنا بأن الطائرة ليست مجرد وسيلة نقل، بل أداة يمكن أن تُستخدم للتنمية كما يمكن أن تُستخدم للإضرار بالبيئة والموارد الطبيعية إذا غابت الضوابط الأخلاقية والقانونية.

و لم يقتصر سوء استخدام الطائرات الخفيفة على التأثير البيئي فقط، فقد شهد العالم استخدام هذا النوع من الطائرات في تهريب المخدرات عبر الحدود، مستفيدة من قدرتها على الطيران المنخفض والهبوط في مواقع نائية بعيداً عن أعين السلطات. وقد تحولت بعض الطائرات الصغيرة في مناطق مختلفة من العالم إلى وسيلة مفضلة لشبكات الجريمة المنظمة بسبب مرونتها التشغيلية وانخفاض تكاليفها مقارنة بوسائل النقل الأخرى.

تاركو للطيران تكشف موعد انطلاق رحلات تبوك الخرطوم وأسعار التذاكر

إن خطورة هذه الظواهر تكمن في أنها توظف التكنولوجيا المدنية لأغراض تتعارض مع القانون والمصلحة العامة. ولذلك أصبح من الضروري تعزيز الرقابة على الطيران منخفض الارتفاع، وتطوير أنظمة المراقبة الجوية، والتعاون بين سلطات الطيران و الأجهزة الأمنية و البيئية.

فالطائرة التي تستطيع أن تنقل الدواء والغذاء إلى المناطق النائية، قادرة أيضاً على نقل المخدرات أو رش المبيدات أو التأثير على حركة الحياة البرية. والفرق بين الاستخدام النبيل والاستخدام الضار لا يكمن في الآلة نفسها، بل في الإنسان الذي يقف خلف مقودها.

طيران بلدنا

Exit mobile version