رئيس الوزراء في المطار .. حين تتعثر السياسة في أبجديات الطيران .. التوجيه الذي لن يعيد حقيبةً ضائعة

سودافاكس ـ شكرٌ واصلٌ، بل هي تحيةٌ تنبع من شغاف القلب وجرح المسافات، لرفاقِ الكلمة وركّاب هذا الليل الطويل في منصة «طيران بلدنا»؛ أولئك الذين يقفون كمناراتِ الضوء في عتمة الموانئ، يرصدون وجع المغترب، و يقبضون على بقايا جمر الوطن المبعثر في حقائب المهاجرين.
فلهم منّا انحناءةُ احترام تليق بنبل صنيعهم الذي جعلنا نرى الحقيقة عارية كما هي.
عبر نافذتهم تلك، طالعتُ خبراً تمدد في روحي كالحمّى الغريبة، يحمل مشهداً من تلك المشاهد السريالية التي يختلط فيها الضحك بالبكاء، و يتشابك فيها الجلال بالعبث. كان ذلك في مطار بورتسودان،
في جوف هذا القيظ، وقف السيد رئيس الوزراء، كامل إدريس، بكامل وقاره السلطوي و لم يكن الوجع في التوجيه ذاته، بل في تلك اللحظة التي تضرب الوجدان صرخةً مباغتة؛ فقد وقف سيادته يتهجى الكلمات من ورقةٍ كُتبت له بمدادٍ غريب عنه، تراه مطأطئ الرأس، ينظر إلى السطور بغربةٍ موحشة، يتعثر في الحروف كمن غلبه أن يحفظ جملةً أو يستوعب كُنه ما أُمر أن يقوله! وقف ليطلق في فضاء المطار صيحته : “تُوجّه شركات الطيران بعدم تخلّف حقائب المسافرين دون علمهم!”
أي فجيعةٍ هذه التي ترتدي مسوح الملهاة؟ أتحسبها يا سيادة رئيس الوزراء “لوري سفري” من لواري زمان؟ إذا امتدت إليه أيدي الركاب في مغيب الشمس بالحُملة الزائدة، صاح السائق في صبيته وسط الغبار: “اربطوا باقي الشوالات فوق التندة بالحبال”؟ أظننتَ أن أمتعة الناس تتخلف لأن موظفاً وراء المنصة قرر فجأة، من باب اللهو والممازحة، أن يُخفي حقيبة أمٍّ تنتظر دواءها، أو مغتربٍ يحمل شقاء عمره في صرة ثياب؟
يا أفندي.. إن شركات الطيران لا تُدار بأوراق الأفندية، ولا تسير بنبرات الوعظ والإرشاد! هذا عالمٌ آليٌّ، بارد, حديدي الملامح، غريب المزاج، أوروبي الحسابات؛ لا يتعامل بـ “البركة” ولا بالنيات الحسنة، ولا يكترث بالخطب العصماء التي تُلقى أمام الكاميرات لتملأ أعمدة الصحف في الصباح، ثم تذروها الرياح مع أول هبة ريح.
لو أن أحداً همس في أذنك قبل تلك الوقفة بفقه النقل الجوي وقوانينه الجافة، لووفر عليك عناء التلعثم خلف تلك الورقة؛ فحين يجلس ضابط الحمولة وكابتن الطائرة وعيونهم معلقة بوثيقة “الوزن والاتزان” (Loadsheet)، فإنهم يمتثلون لصلف الأرقام وقوانين المنظمة الدولية للطيران المدني (ICAO Annex 6)، وهي قوانين لا تؤمن بالقصاصات الورقيه ولا تعترف بقرارات الأفندية
إن العلاقة بين الراكب وشركات الطيران ليست علاقة “أبوية” يُصلحها توبيخ المسؤول في صالة المطار، بل هي “عقد نقل” (Contract of Carriage) مقنن تحكمه مواثيق دولية صاغتها عقول الغرب الباردة التي لا تعرف العاطفة: تحكم هذا العالم اتفاقية مونتريال لعام 1999 و تعديلاتها.
هذه الاتفاقيات وضعت أُطراً قانونية صارمة، وفرضت غرامات مالية تقصم ظهر الناقل الجوي فوراً وبشكل آلي عند تخلّف الأمتعة الإصلاح يا سيادة رئيس الوزراء لا يأتي باستجداء “العلم المسبق” من الشركات، بل بتفعيل
“لوائح حماية حقوق المسافرين” الصادرة عن سلطة الطيران المدني (CAA)،
و جعل التعويضات تُسحب من حسابات الشركات إلكترونياً لتصب في
يد الراكب المتضرر.
و لكن واأسفاه! كيف لمن يعجز عن حفظ أسطرٍ من ورقة مكتوبة أن يدير منظومة رقمية للمحاسبة والرقابة؟
إن قراءتك للتوجيهات من تلك الورقة تعكس عَمى تشغيلياً كاملاً عن واقع المطار وأحشائه المريضة؛ فالأزمة ليست في “نوايا” الشركات، بل في دولةٍ تدار بالصورة وتترك الأصل هل تعلم أن الملحق السابع عشر (Annex 17) الخاص بأمن الطيران يفرض ما يُعرف بـ نظام مطابقة الأمتعة (BRS)؛ فإذا تخلّف راكبٌ عن الصعود لأي سبب أمني، يُحظر قانوناً إقلاع حقيبته في بطن الطائرة، ويجب نبش الأمتعة لإنزالها فوراً حمايةً للأرواح من مهددات التفجيرو مطار بورتسودان يفتقر إلى أبسط آليات المناولة الحديثة والسيور الذكية، ويغرق في فوضى يدوية بدائية تجعله أشبه بأسواق الريف، حيث يضيع الجهد وتتخلف الأمتعة بفعل العجز الهيكلي والضغط التشغيلي لا بإرادة الموظفين.
و الأنكأ من ذلك كله، أن السيد رئيس الوزراء في غمرة اندفاعه الخطابي، بدا وكأنه لا يدرك أصلاً من هو “العمود الأصلي” وكبير العائلة في هذا المكان! لقد صوّب حديثه لشركات الطيران و ادرات المطار و الجهات التشغليه غافلاً الجهات الرقابية — أو جادلاً بالجهل — عن أن صمام الأمان والسيطرة المطلقة على بوابة المطار وبطن الطائرة ليس بيد شركات الطيران او ادارات المطار بل هو معقودٌ في رقبة إدارة أمن الطيران (Aviation Security).
إن سيادته لا يدري، ويا لضيعة المعرفة، أن رجال أمن الطيران هم السد المنيع والمرجعية السيادية التي تُملي على الجميع سلطتها بقوة القانون الدولي؛ فهم من يديرون عمليات فحص الأمتعة وتأمينها، وهم الكلمة الفصل في شحن الحقيبة أو حظرها. توجيه الإرشادات للشركات و الجهات النظامية وادرة المطار مع تجاوز سلطة أمن الطيران هو بمثابة من يعظ ضيوف الدار ويترك صاحب البيت الواقف على العتبة! فوضى المفاهيم حين يغيب عن رأس السلطة التنفيذية معرفة جهة الاختصاص، ومن هو الكيان السيادي المستقل الذي بيده الحل و العقد و تطبيق المعايير القياسية
فالأولى بك يا سيدي، والأجدر بمن يجلس على ذلك الكرسي المثقل بآلام الناس، بدلاف من إلقاء المواعظ الجوفاء على شركات الطيران، أن تشدّ الهمّة وتوجّه هذا الحزم صوب الذين يختبئون في المكاتب المكيّفة الباردة
كان الأولى أن تستدعي السيد مدير شركة المطارات القابضة، المسؤول الأول عن هذا البؤس الإنشائي والسيور الميتة في بورتسودان، وتجلس وجهاً لوجه مع مدير سلطة الطيران المدني، وتسألهما بسلطان القانون و عيونك في عيونهم: أين هي لوائح حقوق الركاب حسب قوانين النقل الجوي ومعايير الإياتا (IATA)؟
لو أن شركة طيران واحدة أُجبرت بقوة القانون على دفع تعويض مالي فوري ومجزٍ يملأ يد الراكب عن كل ساعة تتأخر فيها حقيبته، لوجدت تلك الشركات تطير بالحقائب قبل أصحابها، ولرأيتهم يحملونها على حدقات عيونهم، دون حاجة لأن تطل عليهم بسيادتك متعثراً خلف ورقتك المكتوبة.
حقيقيٌّ.. كم كان المرء يتمنى — والتشهّي في بلادنا ضربٌ من ضروب العذاب الحميم — أن يكون رئيس وزرائنا رجلاً من طينةٍ أخرى؛ رجلاً يدركُ ثقل الكرسي الذي يجلس عليه، وعمق الآلام التي ينام عليها شعبه. كنا نريده رجلاً عالماً بمواضع الضغط الحقيقية، خبيراً بمكامن التشريع ومحاور القوانين، يعرفُ أن هيبة الدولة لا تُستجدى أمام الكاميرات بل تُفرض في الغرف المغلقة حيث تُصنع السياسات وتُفعل اللوائح الصارمة.
إن المواطن يا سيدي لا يطلبُ معجزات، إنما يطلب حداً أدنى من المؤسسية و احترام العقول؛ يطلبُ مسؤولاً يضع إصبعه على الجرح الهيكلي في جسد المؤسسات المترهلة، لا أفندياً يقف مطأطئ الرأس يتهجى أسطراً كُتبت له، غافلاً عن أن قوانين “الإياتا” وخوارزميات العصر قد تجاوزت لغة الوعظ وقصّاصات الورق منذ زمنٍ بعيد.
و أما ذلك الراكب المنهك، المبلل بالعرق والدموع في مطاراتنا، فسيقف غداً واجماً أمام “السير الدائري” الخالي. سيرقبه وهو يدور في عبثٍ دائم، كأنه ساقية جحا وهي مهجورة على ضفاف النيل، جفّ ماؤها، و مات ثورها، وغاب مزارعوها، ولم يبقَ منها إلا صرير الحديد الصدئ الحزين… وسيعلم الراكب حينها، بمرارةٍ تلذع نياط القلب، أن التوجيهات الصورية لا تشحن حقيبة، ولا ترفع طائرة، ولا تُعيد وطناً تشتتت أمتعته في مطارات الأرض دون علم أحد .
طيران بلدنا



