الطيران في مواجهة الحرب الإلكترونية .. كيف أصبح تزييف إشارات GPS تهديداً جديداً لسلامة الملاحة الجوية؟

سودافاكس ـ في وقت تعتمد فيه الطائرات الحديثة بصورة متزايدة على أنظمة الملاحة الفضائية، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة تتمثل في تزييف أو تشويش إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS/GNSS)، لتتحول من مشكلة تقنية محدودة إلى أحد أبرز تحديات السلامة الجوية عالمياً، خاصة في المناطق القريبة من بؤر الصراعات العسكرية والتوترات الجيوسياسية. وتشير بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) إلى ارتفاع حوادث فقدان أو تداخل إشارات الملاحة الفضائية بأكثر من 220% بين عامي 2021 و2024، وسط تحذيرات متزايدة من الجهات التنظيمية الدولية.

و يُقصد بالتشويش (Jamming) إغراق مستقبلات الطائرة بإشارات قوية تمنع استقبال الإشارة الأصلية القادمة من الأقمار الصناعية، بينما يعتمد التزييف (Spoofing) على إرسال بيانات مزيفة تبدو حقيقية للطائرة، فتجعل أنظمتها تعتقد أنها في موقع مختلف عن موقعها الفعلي. وتعتبر الهيئات الأوروبية أن التزييف أخطر من التشويش لأنه أكثر صعوبة في الاكتشاف وقد يؤثر على عدة أنظمة في وقت واحد.

و قد سجلت الأعوام الأخيرة حوادث عديدة فوق مناطق الشرق الأوسط والبحر الأسود ودول البلطيق، حيث أبلغ طيارون عن انتقال مفاجئ لمواقع طائراتهم على شاشات الملاحة أو ظهور إنذارات غير صحيحة مرتبطة بالارتفاع والتضاريس. كما اتهمت دول أوروبية جهات عسكرية باستخدام تقنيات تزييف واسعة النطاق أثرت على حركة الطيران المدني في أجزاء كبيرة من أوروبا الشمالية والشرقية.

و رغم خطورة هذه الظاهرة، فإن الطائرات التجارية الحديثة لا تعتمد على GPS وحده. فداخل قمرة القيادة توجد منظومات احتياطية متعددة تشمل أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي (IRS)، وأجهزة الملاحة الأرضية التقليدية، إضافة إلى رادارات المراقبة ومتابعة الحركة الجوية.
و عندما يكتشف الطيار أو الحاسوب وجود بيانات غير منطقية، يتم الانتقال إلى وسائل ملاحة بديلة وفق إجراءات تشغيل معتمدة، و هو ما يجعل احتمالات فقدان السيطرة على الطائرة محدودة للغاية.

و مع ذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في التأثير المتزايد على عبء العمل داخل قمرة القيادة. فالتعامل مع معلومات متضاربة أثناء الطيران يتطلب من الطيارين التحقق المستمر من مصادر البيانات المختلفة و اتخاذ قرارات سريعة في بيئة تشغيلية معقدة، خصوصاً أثناء الاقتراب و الهبوط أو التحليق قرب مناطق النزاعات.

و تقود حالياً شركات تصنيع الطائرات والهيئات التنظيمية الدولية جهوداً واسعة لتعزيز مقاومة أنظمة الملاحة لهذه الهجمات الإلكترونية، عبر تطوير مستقبلات متعددة الأقمار الصناعية، وتحسين تقنيات كشف الإشارات المزيفة، والإبقاء على شبكات الملاحة الأرضية التقليدية كوسائل احتياطية. كما أطلقت الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران (EASA) بالتعاون مع «إياتا» و«يوروكونترول» خطط عمل مشتركة لتعزيز مرونة الطيران المدني أمام هذا النوع من التهديدات.

و بينما تتوسع استخدامات الحرب الإلكترونية حول العالم، يبدو أن معركة المستقبل في قطاع الطيران لن تكون فقط في السماء، بل أيضاً في الفضاء الإلكتروني المحيط بها، حيث أصبحت حماية إشارات الملاحة جزءاً أساسياً من معادلة سلامة الرحلات الجوية الحديثة.

طيران بلدنا




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.