قطاع الطيران بين تقوية القوانين وتمدد الهياكل التنظيمية

قطاع الطيران بين تقوية القوانين وتمدد الهياكل التنظيمية

كتب سامي محمد الامين

أثار الحراك الأخير حول ضرورة إنشاء “وزارة اتحادية للطيران المدني” جدلًا حيويًا في أوساط المهنيين بقطاع الطيران المدني، وهو جدلٌ يعكس حرصًا وطنيًا مقدرًا على انتشال هذا القطاع من وهدة التذبذب الإداري وتعدد المرجعيات. ومع تقديرنا للأطروحات التي ساقت مبررات “الاستقرار المؤسسي” و”المواكبة العالمية” و”حكومة التكنوقراط”، إلا أن قراءة المشهد من منظور علم الحوكمة الحديث والاستراتيجيات الكلية للدولة تفرض علينا طرح السؤال الجوهري: هل أزمتنا الحقيقية تكمن في غياب “المسمى الوزاري”، أم في هشاشة “المنظومة القانونية” التي تحمي المؤسسات وتصون الكفاءات وتستبقيها في بيئة عمل معافاة؟

التحالفات والترتيبات التجارية في صناعة الطيران ومستقبل اندماج الشركات السودانية في الشبكات العالمية

إن المتتبع لأوضاع القطاع يدرك أن الاستقرار لا يُصنع بتكبير الهياكل، بل بتجويد القواعد. إن المناداة بإنشاء وزارة في ظل بيئة تشريعية مضطربة هو بمثابة بناء برج شاهق على أرض رخوة. فالمؤسسات لا تحميها المسميات الوظيفية أو الحقائب السياسية، بل تحميها القوانين الحاكمة التي تحدد الصلاحيات وتمنع تداخل الاختصاصات. إن الواقع المؤسسي يثبت أن الإشكال المركزي لا يكمن في غياب “الكرسي الوزاري”، بل في تآكل الاختصاصات القانونية لسلطة الطيران المدني؛ فالمعضلة الحقيقية تتبدى في التعديلات التشريعية التي طالت استقلالية السلطة المالية والإدارية، حيث أدى سحب صلاحيات مجلس الإدارة في إجازة الهياكل الوظيفية، وربط شروط خدمة العاملين بجهات خارجية، إلى إضعاف القدرة على المناورة الفنية وتحقيق الاستقرار المنشود، إضافةً إلى عدم منحها الصلاحيات الكافية لدعم شركة المطارات بالموارد المطلوبة حتى تشتد وتقوى وتنتقل إلى وضع يمكنها من تغطية مصروفات تشغيل جميع مطارات السودان بوصفها مرافق استراتيجية، إضافة إلى منحها صلاحية توفير الضمانات لشركة الخطوط الجوية السودانية لشراء الطائرات وتمكينها من تجديد أصولها، باعتبار أن السلطة بموجب القانون مسؤولة عن تطوير القطاع بأكمله، إضافة إلى توفير الغطاء التشريعي للشركات الوطنية الأخرى لتسهيل عمليات الاستحواذ على الطائرات وتأجيرها، وتحسين بيئة التأمين على الطائرات، وحماية حقوق النقل اعتمادًا على المعاملة بالمثل.

إن استقلالية السلطة تتمثل في تكنوقراطية الفعل لا تكنوقراطية الشكل.

والمناداة بوزارة لتعزيز “حكومة التكنوقراط”، ولكن في مجال الطيران المدني فإن التكنوقراطية الحقيقية تتجسد في الهيئات المستقلة (Civil Aviation Authorities) وليس في الوزارات السياسية. فالوزارة بطبيعتها كيان “سياسي” يخضع للمحاصصات والترضيات وتغييرات الطاقم الحكومي، بينما قطاع الطيران صناعة فنية دقيقة لا تقبل القسمة على السياسة. إن الحماية الحقيقية للمؤسسات تكمن في اختيار العناصر المتخصصة على جميع المستويات، بدءًا بمجالس الإدارات وحتى رؤساء الأقسام، وفق معايير الجدارة والكفاءة في ذات المجال، وتثبيتهم في مواقعهم بقوة القانون. إن تقييد استقلال السلطة في إدارة حساباتها المالية، ورهن التصرف في مواردها بموافقات بيروقراطية خارجية، هو الذي يطرد الكفاءات ويشتت الخبرات. إن “إعادة الحاكمية للقانون” ومنح السلطة استقلاليتها الفنية والمالية الكاملة هو المسار الوحيد لتحصين القطاع، ولن يعالج إنشاء وزارة جديدة هذا الخلل البنيوي، بل قد يزيده تعقيدًا عبر إضافة طبقات بيروقراطية جديدة.

ولأنه عند إخضاع خيار “الوزارة” وخيار “الإصلاح التشريعي” للتحليل الاستراتيجي المقارن، نجد فوارق جوهرية تمس القطاع واستقراره. فبينما يستمد نموذج الوزارة استقراره من قوة شخص الوزير واستمرارية الحقيبة السياسية ـ وهي عوامل متغيرة بطبيعتها ـ يستمد نموذج الإصلاح التشريعي ديمومته من حصانة القانون وثبات النصوص، مما يوفر بيئة آمنة للتخطيط طويل المدى.

وفيما يتعلق بالمرجعية الفنية، فإن الوزارات قد تتماهى، بوعي أو بدون وعي، مع التوجهات السياسية والمصالح الآنية للدولة، مما قد يعرض المعايير الفنية للمساومة. أما الهيئات المستقلة المحصنة تشريعيًا، فإن مرجعيتها الوحيدة تظل هي القانون الوطني والمعايير الدولية الصارمة (SARPs) الصادرة عن منظمة الإيكاو والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة، مما يضمن أعلى مستويات السلامة والأمن.

أما في ملف إدارة الكفاءات، فإن البيروقراطية الوزارية تفرض قيودًا ثقيلة تجعل من الصعب استقطاب أو الحفاظ على الخبرات النادرة، حيث تظل مقيدة بلوائح الخدمة المدنية التقليدية. في المقابل، يتيح الإصلاح التشريعي للهيئات المستقلة إدارة مواردها البشرية عبر عقود أداء احترافية ومنافسة، مما يمنع تشتت الخبرات الوطنية التي ملأت الآفاق علمًا وعملًا. إن علاقة الدولة بالقطاع في نموذج الوزارة هي علاقة تبعية إدارية وتدخل مباشر، بينما في نموذج الحوكمة الرشيدة هي علاقة إشراف استراتيجي ورقابة تشريعية عليا، تضمن السيادة دون خنق الإرادة الفنية.

لقد استشهدت الأطروحات الداعية للوزارة بخبراتنا الوطنية الفذة التي أثبتت وجودها في المحافل الدولية. والسؤال هنا: هل برزت هذه الكفاءات بفضل “وزارة”، أم بفضل تأهيلها الفني الصارم والتزامها بالقوانين الدولية؟ إن حماية هؤلاء الخبراء لا تكون بوضعهم تحت مظلة بيروقراطية ثقيلة، بل بتشريع يضمن لهم استقلالية القرار الفني، ويحميهم من المحاصصات التي يخشى الجميع وقوعها في الهياكل الجديدة.

ويكتسب هذا الأمر بعدًا سياديًا، إذ إن المساس بالاختصاصات القانونية والفنية للسلطة يؤثر مباشرة على التزامات السودان الدولية فيما يخص التدقيق الدولي في السلامة والأمن. إن المنظمات الدولية لا تطالب الدول بإنشاء وزارات، بل تطالبها بـ”سلطة طيران مستقلة وقوية تشريعيًا” تمتلك الصلاحيات القانونية والمالية اللازمة لإنفاذ المعايير العالمية بعيدًا عن تغول الأجهزة التنفيذية الأخرى.

إن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على تراكم الهياكل، بل على إحكام القواعد. إن إنشاء وزارة للطيران قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالنهوض، لكنه يحمل في طياته بذور الترهل والتدخل السياسي. إن الرؤية الاستراتيجية الحصيفة تحتم علينا أن نضع القانون أولًا، والكفاءة ثانيًا، ثم نترك للهيكل أن يتشكل بصورة مرنة تخدم الجوهر لا المظهر.

إننا في حوجة إلى “ثورة تشريعية” تعيد صياغة قانون الطيران المدني ليواكب القرن الحادي والعشرين، وتمنح المؤسسات القائمة استقلالها المالي والإداري التام، وتصون شروط خدمة الكفاءات الفنية المتخصصة. إن تقوية التشريعات هي الحصن المنيع الذي يحمي الأجواء ويدفع بعجلة الاقتصاد الوطني نحو آفاق الاستدامة والتميز، بعيدًا عن تجاذبات الهياكل التنظيمية العابرة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.