عثمان ميرغني يكتب: قانون إقليم دارفور

قانون إقليم دارفور

عثمان ميرغني

أجاز مجلس الوزراء في جلسته يوم الأربعاء الماضي (10 يونيو 2026) مشروع قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور. ومن المنتظر رفعه إلى ما يعرف بـ”السلطة التشريعية الانتقالية” وهي الجلسة المشتركة بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء لإجازته ويصبح نافذا بعد شهر. والقانون انتقالي تنتهي صلاحيته بنهاية الفترة الانتقالية.

عثمان ميرغني يكتب: الحكومة كائن حي..

قصة هذا القانون أنه يمثل واحدا من التزامات اتفاق جوبا للسلام الموقَّع في أكتوبر 2020. ينص الاتفاق على أن تنظم الحكومة ورش عمل تشاورية في مختلف مناطق السودان، تنتهي بمؤتمر عام يتخذ قرارا إما بالإبقاء على النظام الاتحادي الحالي واستمرار “الولايات”، أو العودة إلى نظام “الأقاليم” الذي كان سائداً قبل عهد الإنقاذ.

لكن الموقعين على وثيقة جوبا، إدراكاً منهم بسجل الحكومة في التهرب من التزامات الاتفاقيات، أضافوا بندا مهما: في حال عدم نجاح الحكومة في تنظيم الورش والمؤتمر خلال ستة أشهر، تستثنى دارفور من النظام الحالي ويشكَّل “إقليم دارفور”، مع بقاء الولايات قائمة.

وبالفعل مرت فترة الستة أشهر دون أن تفعل الحكومة شيئا. فأصبح السيد مني أركو مناوي حاكما لإقليم دارفور، رغم أن هذا الإقليم ليس موجودا قانونيا بعد، بانتظار إجازة القانون.

وأذكر أني سألت السيد مناوي بصورة صريحة، إذا عادت الحكومة و نظمت المؤتمر وخلص إلى الابقاء على “الولايات” هل توافقون على إلغاء “الاقليم” والعودة إلى نظام الولايات. رد بدون تردد “نعم”.

طوال السنوات الأربع الماضية، حمل السيد مناوي صفة حاكم إقليم دارفور، وشارك في العديد من المناسبات بهذه الصفة التي لم تكن تستند إلى أساس قانوني. وحتى هذه اللحظة، لا يزال ينتظر الإجازة النهائية.

الخطأ الجسيم الذي ارتكبته الحكومة – وكررته سابقاً في تجربة تحويل ولايات الجنوب إلى إقليم “جنوب السودان” – هو غياب النظرة الكلية لخارطة السودان، لبناء نظام حكم اتحادي متجانس وفعَّال يخدم مصلحة الوطن والمواطن، لا المصالح السياسية.

كان يكفي قدر بسيط من الانتباه القومي للنظر في تجربة الحكم الاتحادي بعد أكثر من ثلاثين عاماً من الممارسة، واختيار أفضل الخيارات الثلاثة التالية:

الخيار الأول: الإبقاء على نظام الولايات الحالي.

الخيار الثاني: العودة إلى نظام الأقاليم، مع إمكانية زيادة عددها أو تعديل حدودها الجغرافية.

الخيار الثالث: صيغة الهجين تجمع بين الأقاليم والولايات.

سبق لي أن كتبت أكثر من مرة ناصحا الحكومة من أهمية الاستفادة من فترة الحرب، حيث تفرغت كثير من العقول الإدارية، لتنظيم دراسات ومؤتمرات جادة تستخلص تجارب الحكم في السودان منذ الاستقلال، وتختار أفضل صيغة حكم.

لأن الطريقة التي يُنظر بها حاليا إلى صيغ الحكم الفيدرالي تحمل في طياتها رغبة أكبر في الاستحواذ على المناصب والسلطة والثروة، أكثر منها في تحقيق المصلحة القومية الحقيقية.

في تقديري، إجازة قانون يجعل من دارفور وضعا شاذا عن بقية مناطق السودان في هذا التوقيت بالذات، يضخ المزيد من الوقود في دعوات الانفصال التي تمارسها الآن الحكومة الموازية في نيالا علنا، ويدعمها الإلحاح على تمرير القانون الآن.

المسار الأفضل -في تقديري- هو النظر في نظام فيدرالي متجانس يشمل كل السودان، بإضافة مستوى “الإقليم” إلى هياكل النظام الحالي، ليصبح التقسيم: «إقليم-ولاية-محلية»، مع فصل دقيق للسلطات في كل مستوى، وتحديد واضح للعلاقات الرأسية (بين المركز والإقليم والولايات والمحليات) والأفقية (بين الأقاليم وبين الولايات).

وفي كتابي الجديد “هندسة الدولة السودانية” فصلتُ في هذا الموضوع، واقترحت الفصل بين “نظام الحكم” و”نظام الإدارة”، بمعنى الفصل بين التقسيم السياسي والنظام الاداري . ولكل منهما سماته المختلفة. (راجع الكتاب).

#حديث_المدينة السبت 13 يونيو 2026

Exit mobile version