ضرورة إلغاء تعديلات 2023 وإعادة بناء سلطة الطيران المدني وفق متطلبات ICAO

ضرورة إلغاء تعديلات 2023 وإعادة بناء سلطة الطيران المدني وفق متطلبات ICAO

إبراهيم عدلان

“الفصل الوظيفي دون التفكيك المؤسسي… واستعادة استقلال السلطة ومجلس إدارتها ومديرها العام”

إن إصلاح قطاع الطيران المدني السوداني في المرحلة الراهنة لا ينبغي أن ينطلق من مجرد إعادة ترتيب الهياكل أو توزيع الاختصاصات بين أجهزة الدولة، وإنما من سؤال أكثر جوهرية:

ابراهيم عدلان يكتب: أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي… “والخيل تجقلب والشكر لحمّاد”

هل يمتلك السودان مؤسسة طيران مدني قادرة فعلياً على الوفاء بمسؤولياته الدولية في السلامة والأمن والرقابة وتنظيم المجال الجوي؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عند النظر إلى قانون سلطة الطيران المدني لسنة 2018 والتعديلات التي أُدخلت عليه في عام 2023، وما ترتب عليها من آثار على استقلال السلطة، ودور مجلس إدارتها، وصلاحيات مديرها العام، وقدرتها على وضع شروط خدمة تتناسب مع طبيعة الكوادر الفنية المتخصصة.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المسائل باعتبارها شأناً إدارياً داخلياً أو خلافاً حول المرتبات والوظائف؛ فهي ترتبط مباشرة بقدرة السودان على استيفاء متطلبات منظمة الطيران المدني الدولي ICAO، وبالأخص متطلبات برنامج التدقيق العالمي للرقابة على السلامة USOAP.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم هو إلغاء الآثار التي ترتبت على تعديلات 2023 وإعادة النصوص إلى وضع يمكن سلطة الطيران المدني من أداء وظائفها، مع تطوير قانون 2018 بما يتلاءم مع المرحلة الحالية ومتطلبات ICAO.

أولاً: ما الذي تقيسه ICAO عندما تدقق في الدولة؟

من المهم للقارئ غير المتخصص أن يعرف أن ICAO لا تكتفي بالسؤال: هل لدى الدولة قانون طيران؟

ولا تسأل فقط: هل لديها سلطة طيران مدني؟

بل تسأل السؤال الأهم:

هل تستطيع الدولة فعلياً أن تمارس الرقابة على سلامة الطيران بصورة فعالة ومستدامة؟

ولهذا وضعت ICAO ثمانية عناصر أساسية تُعرف باسم:

Critical Elements – CEs

وهي اللبنات التي يقوم عليها نظام الدولة للرقابة على السلامة. وتستخدم ICAO هذه العناصر ضمن USOAP – Universal Safety Oversight Audit Programme لتقييم مدى قدرة الدولة على تنفيذ مسؤولياتها في مجال السلامة. كما تستخدم أسئلة تدقيق تفصيلية Protocol Questions (PQs) لقياس مدى التنفيذ الفعلي لهذه العناصر. (ICAO)

وتنقسم العناصر إلى مجموعتين:

عناصر التأسيس Establishment

CE-1: التشريع الأساسي للطيران
CE-2: اللوائح التشغيلية الخاصة
CE-3: نظام الدولة ووظائفها
CE-4: الكوادر الفنية المؤهلة
CE-5: الأدلة والأدوات والمعلومات الفنية

عناصر التنفيذ Implementation

CE-6: الترخيص والتصديق والاعتماد
CE-7: الرقابة والتفتيش
CE-8: معالجة مشاغل السلامة

وهذا التمييز مهم جداً.

فالدولة قد يكون لديها قانون ممتاز وسلطة منشأة على الورق، ولكن إذا لم يكن لديها المفتشون المؤهلون، أو لم تستطع الاحتفاظ بهم، أو لم تستطع إجراء التفتيش واتخاذ الإجراءات التصحيحية، فإن Effective Implementation سيظل ضعيفاً.

وتصف ICAO هذه العناصر بأنها اللبنات الأساسية التي يقوم عليها نظام فعال للرقابة على السلامة. (studylib.net)

ثانياً: لماذا ترتبط تعديلات قانون السلطة بهذه العناصر؟

عندما ننظر إلى قانون سلطة الطيران المدني لسنة 2018 وتعديلاته، فإننا لا نتعامل مع نصوص قانونية معزولة.

فنحن نتعامل مباشرة مع:

CE-1 — القانون

ثم:

CE-3 — المؤسسة والصلاحيات والوظائف

ثم:

CE-4 — الكوادر الفنية وشروط خدمتها وتأهيلها

ثم:

CE-5 — قدرتها على توفير الأدوات والإجراءات والمعلومات

ثم في النهاية:

CE-6 وCE-7 وCE-8 — قدرتها على الترخيص والرقابة ومعالجة مشاغل السلامة.

أي أن أي إضعاف للمؤسسة في بدايات السلسلة قد ينتقل أثره إلى نهايتها.

ثالثاً: قانون 2018 كان يحمل فلسفة مؤسسية أكثر ملاءمة

من المهم الإشارة إلى أن منظومة العمل التنظيمي التي وضعتها سلطة الطيران المدني بعد قانون 2018 كانت تقوم على دور واضح لمجلس الإدارة والمدير العام في إصدار وتطوير اللوائح.

فـStandards and Rule Making Manual الصادر عن السلطة يوضح أن مجلس الإدارة ينظر في مقترحات اللوائح المقدمة من المدير العام، وله أن يوافق عليها أو يطلب تعديلها أو يحيلها للمراجعة، ثم يوجه المدير العام لاستكمال إجراءات إصدارها بعد موافقة الوزير المختص. كما ينص الدليل على تحديث قوائم الامتثال لمتطلبات ICAO والإبلاغ عن الفروقات ونشرها في الـAIP. (SCAA)

كما أن لوائح SUCAR نفسها كانت تصدر استناداً إلى المادة 22 من قانون 2018 وبواسطة مجلس إدارة سلطة الطيران المدني، مع اعتماد الوزير المختص وفق الإطار القانوني. (SCAA)

وهذا يعكس نموذجاً مؤسسياً واضحاً:

مجلس إدارة → مدير عام → جهاز فني → لوائح ومعايير → تنفيذ ورقابة.

وهذا التسلسل ليس شكلياً؛ فهو جزء من قدرة الدولة على تحويل التشريع إلى نظام رقابي قابل للتطبيق.

رابعاً: شروط الخدمة الخاصة ليست امتيازاً للموظفين

هذه النقطة يجب أن تكون واضحة تماماً.

إن المطالبة بأن تكون لسلطة الطيران المدني لائحة شروط خدمة خاصة لا تعني منح العاملين امتيازات خارج نظام الدولة.

فالـICAO نفسها تتناول هذه المسألة بصورة مباشرة.

ينص Doc 9734، الفقرة 3.4.2.1 على أن نظام الطيران المدني في الدولة يجب أن يكون منظماً ومزوداً بعدد كافٍ من العاملين المؤهلين للقيام بالواجبات الفنية المطلوبة للرقابة على السلامة، وأن يتمتع هؤلاء العاملون بشروط خدمة وأجور تتناسب مع تعليمهم ومعرفتهم الفنية وخبرتهم، وبصورة قابلة للمقارنة مع العاملين لدى الجهات التي يقومون بتفتيشها والإشراف عليها. (ICAO)

ولا تتوقف ICAO عند ذلك.

فالفقرة 3.4.2.3 تؤكد أن استقطاب والاحتفاظ بالكوادر الفنية المؤهلة يمثل التزاماً مالياً مهماً، وقد يتطلب مراجعة السياسات واللوائح القديمة المتعلقة بالأجور وشروط الخدمة، وأن الدولة يجب أن تكون قادرة على المنافسة كجهة عمل حتى تتمكن من استقطاب والاحتفاظ بالكفاءات المؤهلة. (ICAO)

إذن:

شروط الخدمة الخاصة ليست مطلباً وظيفياً؛ إنها أداة من أدوات Safety Oversight.

خامساً: لماذا تعتبر الكوادر الفنية عنصراً حرجاً؟

هذا هو CE-4 – Qualified Technical Personnel.

والمقصود به أن الدولة يجب أن تحدد الحد الأدنى من المعرفة والخبرة المطلوبة للعاملين الذين يؤدون وظائف الرقابة على السلامة، وأن توفر لهم التدريب الأولي والمتكرر الذي يحافظ على كفاءتهم ويطورها. (ICAO)

وهذا يشمل، بحسب مجال الرقابة، مفتشي:

وهنا تظهر خطورة إخضاع هذه الوظائف لنظام خدمة عام لا يراعي خصوصيتها.

فإذا لم تستطع السلطة أن تستقطب المفتش المؤهل، أو فقدت مفتشاً مدرباً لصالح شركة طيران أو مؤسسة صيانة أو جهة أخرى بسبب فارق كبير في شروط الخدمة، فإن التأثير لا يتوقف عند الموظف.

بل ينتقل إلى:

CE-6 — الترخيص والتصديق

ثم:

CE-7 — التفتيش والرقابة

ثم:

CE-8 — معالجة مشاغل السلامة.

وقد أوضحت ICAO أن ضعف تأهيل وتدريب العاملين الفنيين يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تنفيذ وظائف الترخيص والرقابة ومعالجة مشاغل السلامة. (ICAO)

سادساً: ماذا فعلت تعديلات 2023؟

هنا يجب أن يكون النقاش دقيقاً.

بحسب ما هو منشور حول التطور التشريعي، فإن قانون 2018 أتاح لمجلس إدارة سلطة الطيران المدني وضع شروط خدمة خاصة، كما أفردت المادة 22 معالجة خاصة لشروط خدمة الفنيين، إلا أن هذه الشروط لم تدخل حيز التطبيق بالصورة المقصودة. ثم جاءت تعديلات 2023 المرتبطة بولاية وزارة المالية على المال العام، وأعادت تقييد هذه المساحة، الأمر الذي أعاد ملف شروط الخدمة الخاصة إلى نقطة البداية.

وهنا يجب ألا يكون السؤال:

هل يجوز لوزارة المالية أن تراقب المال العام؟

بالطبع نعم.

السؤال الصحيح هو:

هل يمكن أن تتم الرقابة المالية بطريقة تلغي قدرة سلطة الطيران المدني على الوفاء بمتطلبات ICAO المتعلقة باستقطاب والاحتفاظ بالكوادر الفنية؟

الجواب يجب أن يكون: لا.

فالرقابة المالية شيء، وإدارة الوظائف الفنية الحرجة للسلامة شيء آخر.

سابعاً: لا بد من الفصل بين الرقابة المالية والقرار الفني

إن سلطة الطيران المدني مؤسسة عامة، ومن الطبيعي أن تخضع للرقابة المالية والمحاسبية للدولة.

لكن يجب التفريق بين:

Financial Oversight

و

Technical and Operational Management.

فالرقابة المالية يجب أن تضمن سلامة استخدام المال العام، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى تدخل في:

فالـICAO تطلب من الدولة أن تكون قادرة على توفير عدد كافٍ من الموظفين المؤهلين وموارد مالية مناسبة، كما تؤكد ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لاستقطاب والاحتفاظ بالعاملين المؤهلين في وظائف الرقابة.

ثامناً: تهميش مجلس الإدارة يضعف CE-3

CE-3 — State System and Functions لا يتحدث فقط عن وجود اسم «سلطة طيران مدني».

إنه يتطلب وجود نظام دولة واضح، وسلطة أو سلطات مناسبة، يقودها مسؤول تنفيذي، وتدعمها كوادر مؤهلة وموارد كافية، مع تحديد واضح لوظائف السلامة والأهداف والمسؤوليات.

ومن هنا تأتي أهمية مجلس إدارة السلطة.

مجلس الإدارة هو مستوى الحوكمة المؤسسية الذي يضع السياسات ويشرف على الأداء، بينما المدير العام هو المسؤول عن الإدارة التنفيذية.

وعندما يتم إضعاف دور مجلس الإدارة أو تفريغه من اختصاصاته، فإن المؤسسة تفقد جزءاً من آلية الحوكمة التي يفترض أن تضمن:

السياسة → الإدارة → التنفيذ → المساءلة.

ولا ينبغي أن يتحول مجلس الإدارة إلى جسم اسمي لا يملك الأدوات اللازمة لأداء وظيفته.

تاسعاً: المدير العام يجب أن يكون مسؤولاً وقادراً في الوقت نفسه

المدير العام ليس مجرد موظف إداري كبير.

إنه رأس الجهاز التنفيذي للسلطة، ويجب أن يمتلك الأدوات اللازمة لممارسة المسؤولية التي يتحملها.

فإذا كان مطلوباً منه أن يضمن سلامة الطيران، ويشرف على الرقابة، ويضمن جاهزية المفتشين، ويصدر الإجراءات، ويقود الجهاز الفني، ثم لا يمتلك الصلاحيات اللازمة لإدارة الموارد البشرية والمالية والفنية، فإننا نخلق مشكلة في المساءلة المؤسسية.

لا يجوز أن تكون:

المسؤولية عند المدير العام،

بينما:

الصلاحيات موزعة خارج المؤسسة.

فهذا يؤدي إلى ما يمكن تسميته:

Accountability without Authority

أي مساءلة بلا سلطة.

وهذا لا يمثل حوكمة مؤسسية سليمة.

عاشراً: لا نحتاج الآن إلى تفكيك السلطة

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يقودنا نقد الوضع المؤسسي إلى الدعوة إلى تفكيك سلطة الطيران المدني إلى عدد من الكيانات المستقلة بصورة فورية.

السودان في وضع استثنائي.

وهو يحتاج إلى:

ولهذا فإن النموذج الأكثر واقعية في المرحلة الحالية هو:

Functional Fragmentation without Institutional Fragmentation

أي:

الفصل الوظيفي دون التفكيك المؤسسي.

حادي عشر: تبقى خدمات الملاحة الجوية ضمن الإطار السيادي

في المرحلة الحالية، من المنطقي أن تبقى خدمات الملاحة الجوية ضمن الإطار السيادي لسلطة الطيران المدني، باعتبارها مرتبطة مباشرة بمسؤولية الدولة عن مجالها الجوي واستمرارية خدمات الحركة الجوية.

وهذا لا يعني أن مقدم الخدمة يجب أن يكون هو نفسه الجهة التي تقوم بالرقابة عليه.

بل يمكن أن تعمل السلطة وفق مسارين واضحين:

مقدم خدمات الملاحة الجوية

يتولى:

ATS / CNS / AIS

والتشغيل والصيانة والتطوير واستمرارية الخدمة.

جهاز رقابي مستقل وظيفياً

يتولى:

وهذا هو المعنى الصحيح للفصل الوظيفي.

ثاني عشر: ICAO لا تجعل عدد المؤسسات هو معيار النجاح

المعيار ليس:

كم مؤسسة لدينا؟

بل:

هل الوظائف واضحة؟ وهل الرقابة مستقلة؟ وهل توجد موارد وكفاءات؟ وهل تستطيع الدولة تنفيذ مسؤولياتها؟

وتوضح ICAO في منهجية USOAP أن CE-3 يتعلق بإنشاء نظام الدولة والجهات المناسبة ووظائف الرقابة، بينما يتعلق CE-4 بالكوادر الفنية المؤهلة والتدريب، ثم تأتي عناصر التنفيذ من CE-6 إلى CE-8 لتختبر قدرة الدولة على الترخيص والرقابة ومعالجة مشاغل السلامة. (ICAO)

وبالتالي فإن إنشاء شركة مستقلة لخدمات الملاحة الجوية ليس في حد ذاته إصلاحاً.

كما أن إبقاء الخدمة داخل السلطة ليس في حد ذاته خطأ.

المعيار هو كيفية توزيع الوظائف، ومدى استقلال الرقابة، وقدرة الدولة على إثبات ذلك أمام ICAO.

ثالث عشر: ماذا يعني ذلك بالنسبة لتدقيق USOAP؟

عندما يأتي التدقيق، فإن السؤال لن يكون:

هل السودان لديه قانون 2018؟

بل ستكون الأسئلة أكثر تفصيلاً:

هل القانون يمنح السلطة الصلاحيات اللازمة؟

هل يوجد نظام واضح للرقابة؟

هل السلطة لديها مدير عام مؤهل؟

هل لديها عدد كافٍ من المفتشين؟

هل هؤلاء المفتشون مؤهلون ومدربون؟

هل تستطيع السلطة الاحتفاظ بهم؟

هل لديها الأدلة والإجراءات والأدوات؟

هل تقوم فعلياً بالترخيص والتصديق؟

هل تقوم بالتفتيش والرقابة المستمرة؟

هل تستطيع معالجة المخالفات ومشاغل السلامة؟

هذه هي العناصر الحرجة.

ولهذا فإن أي تعديل تشريعي يضعف المؤسسة أو يحرمها من أدوات إدارة الكفاءات لا يمكن تقييمه باعتباره مجرد تعديل إداري.

بل يجب تقييم أثره على سلسلة:

CE-1 → CE-3 → CE-4 → CE-5 → CE-6 → CE-7 → CE-8.

رابع عشر: لماذا يجب إلغاء تعديلات 2023؟

إن الدعوة إلى إلغاء ما جرى في 2023 ليست دعوة إلى إعفاء سلطة الطيران المدني من الرقابة المالية للدولة.

وليست دعوة إلى إنشاء نظام مالي منفصل عن الدولة.

وليست دعوة إلى منح العاملين امتيازات بلا ضوابط.

إنها دعوة إلى إزالة القيود التشريعية التي أضعفت قدرة المؤسسة على أداء وظائفها المتخصصة، وإعادة بناء العلاقة بين السلطة ووزارة المالية على أساس يفرق بين الرقابة على المال العام وبين إدارة الوظائف الفنية الحرجة للسلامة.

ويجب أن يعاد تمكين:

مجلس الإدارة

من ممارسة دوره الحقيقي في الحوكمة واعتماد السياسات واللوائح وفق القانون.

المدير العام

من ممارسة سلطاته التنفيذية الفعلية وتحمل المسؤولية كاملة عن الجهاز.

السلطة

من وضع وإجازة لائحة شروط خدمة خاصة تتناسب مع طبيعة العاملين وتخصصاتهم، ضمن إطار مالي وضوابط حكومية واضحة.

الجهاز الرقابي

من ممارسة وظائفه باستقلال وظيفي عن مقدم الخدمة.

خامس عشر: الإلغاء ليس نهاية الإصلاح وإنما بدايته

لكن من المهم ألا يكون الهدف مجرد العودة إلى نصوص 2018 حرفياً.

فالتجربة منذ 2018، ثم ما حدث في 2023، والحرب التي بدأت في أبريل 2023، كلها تفرض علينا صياغة قانون جديد أو تعديلاً شاملاً يعيد بناء السلطة على أساس أكثر وضوحاً.

ويجب أن يتضمن الإطار الجديد:

  1. قانوناً خاصاً لسلطة الطيران المدني.
  2. استقلالاً فنياً وتنظيمياً واضحاً.
  3. مجلس إدارة فاعلاً وليس شكلياً.
  4. مديراً عاماً يتمتع بصلاحيات تتناسب مع مسؤولياته.
  5. لائحة شروط خدمة خاصة للعاملين في السلطة، وخاصة الوظائف الفنية والرقابية.
  6. هيكلاً وظيفياً مبنياً على تخصصات الطيران.
  7. فصلاً وظيفياً واضحاً بين التنظيم والرقابة وتقديم الخدمة.
  8. الإبقاء على خدمات الملاحة الجوية ضمن الإطار السيادي في المرحلة الحالية.
  9. رقابة مالية حكومية دون تدخل في القرارات الفنية والتشغيلية.
  10. آلية تسمح بالانتقال مستقبلاً إلى الفصل المؤسسي إذا أثبتت الدراسات والحاجة الوطنية جدواه.

إن القضية ليست قضية مجلس إدارة أو مدير عام أو شروط خدمة أو وزارة مالية كل منها على حدة.

إنها قضية قدرة الدولة السودانية على بناء نظام فعال للرقابة على سلامة الطيران.

فالـICAO وضعت ثمانية عناصر حرجة لهذا النظام، تبدأ بالقانون، ثم المؤسسة، ثم الكوادر، ثم الأدوات، وتنتهي بالترخيص والرقابة ومعالجة مشاغل السلامة. (ICAO)

ولهذا فإن إضعاف أحد عناصر البداية يمكن أن ينعكس على بقية السلسلة.

قانون بلا مؤسسة قوية لا يكفي.

مؤسسة بلا صلاحيات لا تكفي.

سلطة بلا كوادر مؤهلة لا تكفي.

كوادر بلا شروط خدمة قادرة على الاحتفاظ بها لا تكفي.

مفتشون بلا استقلال وظيفي لا يستطيعون ممارسة رقابة فعالة.

ورقابة بلا قدرة على اتخاذ الإجراءات لا تحقق السلامة.

من هنا، فإن إلغاء التعديلات التي أضعفت الإطار المؤسسي لسلطة الطيران المدني في 2023، وإعادة تمكين مجلس الإدارة والمدير العام، وإقرار شروط خدمة خاصة تتناسب مع طبيعة وظائف الطيران، يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الإصلاح التشريعي لقطاع الطيران المدني السوداني.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يكون الإصلاح نسخة من نماذج خارجية لا تناسب السودان.

فالمرحلة الحالية تتطلب:

سلطة واحدة قوية،
مجلس إدارة فاعلاً،
مديراً عاماً متمكناً،
كوادر فنية مستقرة،
شروط خدمة مناسبة،
خدمات ملاحة جوية ضمن الإطار السيادي،
وفصلاً وظيفياً ورقابياً حقيقياً داخل المؤسسة.

ثم، عندما تستعيد الدولة عافيتها المؤسسية والاقتصادية والتشغيلية، يمكن دراسة الانتقال إلى الفصل المؤسسي الكامل إذا أثبت أنه يخدم المصلحة الوطنية.

فالهدف ليس تفكيك سلطة الطيران المدني، وإنما إعادة بنائها.

والهدف ليس تحريرها من رقابة الدولة، وإنما تمكينها من أداء مسؤوليات الدولة.

والهدف النهائي ليس إرضاء مؤسسة أو موظفين، وإنما أن يستطيع السودان أن يقول أمام منظمة الطيران المدني الدولي:

لدينا قانون، ولدينا مؤسسة، ولدينا كوادر مؤهلة، ولدينا رقابة مستقلة وفعالة، ولدينا القدرة على تنفيذ ما التزمنا به دولياً.

وهذا هو جوهر Safety Oversight، وهو ما يجب أن يكون عليه الإصلاح الحقيقي للطيران المدني السوداني.

Exit mobile version