مطالب منسوبي شركة مطارات السودان بين الممكن والمستحيل: نظرة وسط
إعداد :المركز السوداني لدراسات و أبحاث الطيران المدني
لا يختلف اثنان على أن العاملين بشركة مطارات السودان المحدودة تحملوا خلال سنوات الحرب وما صاحبها من انهيار اقتصادي وتضخم غير مسبوق أعباءً كبيرة أثرت على أوضاعهم المعيشية والوظيفية. ومن هذا المنطلق، فإن المطالب المطروحة تمثل في جوهرها مطالب مشروعة تسعى إلى حفظ الحقوق وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي والاجتماعي للعاملين.
أزمة استحقاقات منسوبي شركة مطارات السودان: قراءة فيما وراء الأزمة الظاهرة
غير أن تقييم هذه المطالب يجب أن يتم بواقعية تأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة وقطاع الطيران المدني على وجه الخصوص، وهو ما يفرض تبني رؤية متوازنة تجمع بين الحقوق المشروعة والإمكانات المتاحة.
أولاً: مستحقات العاملين وجبر الضرر المالي
يعد هذا الملف من أكثر الملفات إلحاحاً وأولوية، إذ إن صرف المتأخرات المالية حق أصيل للعاملين لا يجوز التفريط فيه. كما أن تشكيل لجنة مختصة لدراسة آثار التأخير وجبر الضرر المالي يُعد مطلباً منطقياً، خاصة في ظل التدهور الحاد للقوة الشرائية للعملة الوطنية. إلا أن معالجة هذا الملف قد تتطلب حلولاً مرحلية وجدولة زمنية واقعية تتناسب مع التدفقات المالية المتاحة للشركة.
ثانياً: مراجعة شروط الخدمة
تمثل مراجعة شروط الخدمة ضرورة مؤسسية وليست مطلباً فئوياً فقط، لأن الأجور والهياكل الحالية وُضعت في ظروف اقتصادية مختلفة تماماً. غير أن أي تعديلات جذرية في الرواتب قد تواجه تحديات مالية كبيرة، مما يجعل من الحكمة البحث عن بدائل مؤقتة تشمل الحوافز والبدلات والمزايا غير النقدية إلى حين استقرار الأوضاع الاقتصادية.
ثالثاً: التناوب الوظيفي والعدالة المؤسسية
يُعد وضع نظام واضح للتناوب الوظيفي من المطالب القابلة للتنفيذ فوراً، لأنه لا يرتبط بموارد مالية كبيرة بقدر ارتباطه بالإرادة الإدارية والحوكمة الرشيدة. كما أن الشفافية في توزيع الفرص والتكليفات تسهم في رفع الروح المعنوية وتعزيز الثقة داخل المؤسسة.
رابعاً: الرعاية الصحية والعلاج
تظل الخدمات الصحية من أهم عناصر الاستقرار الوظيفي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف العلاج. ورغم صعوبة توفير حلول مثالية في الظروف الحالية، إلا أن السعي لإعادة تفعيل التأمين الصحي وتسوية الالتزامات القائمة يمثل هدفاً واقعياً يمكن العمل عليه بصورة تدريجية.
خامساً: حقوق المعاشيين
المعاشيون يمثلون ذاكرة المؤسسة وخبرتها المتراكمة، ومن الواجب الوفاء بالتزامات الشركة تجاههم. وقد يكون من المناسب تخصيص برامج أو صناديق دعم مرحلية لمعالجة أوضاعهم ريثما تتم تسوية المستحقات بصورة كاملة.
سادساً: حقوق المستنفرين
هذا الملف يحمل بعداً وطنياً وأخلاقياً إلى جانب بعده الإداري. فمن الطبيعي أن يتم الحفاظ على الحقوق الوظيفية للمستنفرين وعدم تحميلهم تبعات مشاركتهم في الدفاع عن الوطن. كما أن احتساب فترات الاستنفار ضمن الخدمة الفعلية يعد معالجة عادلة ومنصفة.
سابعاً: العدالة والحوكمة
ربما يكون هذا المطلب هو الأقل كلفة والأكثر تأثيراً. فالعدالة والشفافية والمساواة بين العاملين لا تحتاج إلى موارد مالية بقدر ما تحتاج إلى سياسات واضحة وإدارة مؤسسية رشيدة. وعندما يشعر العامل بالإنصاف، يصبح أكثر استعداداً لتحمل التحديات والصعوبات المؤقتة.
إن غالبية المطالب المطروحة ليست مستحيلة ولا تعجيزية، بل تمثل حقوقاً مشروعة للعاملين. غير أن تحقيقها دفعة واحدة قد يكون أمراً صعباً في ظل الظروف الاقتصادية الحالية. لذلك فإن الحل الأمثل يكمن في التوافق على برنامج مرحلي للإصلاح وتحسين أوضاع العاملين يقوم على ترتيب الأولويات وفق الآتي:
- صرف المتأخرات المالية وجدولتها.
- معالجة ملف العلاج والتأمين الصحي.
- حماية حقوق المعاشيين والمستنفرين.
- تطبيق العدالة المؤسسية والتناوب الوظيفي.
- مراجعة شروط الخدمة بصورة تدريجية وفق الإمكانات المتاحة.
وفي هذا السياق، يدعو المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني إلى إيجاد أرضية مشتركة بين منسوبي شركة مطارات السودان المحدودة وقيادتها العليا، تقوم على الحوار المسؤول والاحترام المتبادل وتغليب مصلحة المؤسسة والعاملين على أي اعتبارات أخرى.
كما يدعو المركز إلى تهدئة الخواطر وخفض حدة الاحتقان، والعمل على ترتيب أولويات الحلول وفقاً لدرجة الإلحاح والإمكانات المتاحة، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما خلفته الحرب من آثار اقتصادية ومالية طالت مختلف مؤسسات الدولة والعاملين فيها، وليس منسوبي شركة المطارات وحدهم.
وفي المقابل، يرى المركز أن من واجب الإدارة العليا إصدار رسائل طمأنة واضحة للعاملين، والتأكيد على أن رأس المال البشري هو أهم ما تملكه الشركة، وأن مرحلة إعادة البناء والتعافي تتطلب مشاركة الجميع دون استثناء. كما أن من الضروري تجنب أي ممارسات قد تُفسر على أنها تجاهل أو استفزاز لمطالب العاملين، وتعزيز قنوات التواصل والشفافية معهم حول التحديات القائمة وخطط المعالجة المستقبلية.
ومن الجانب الآخر، فإن المسؤولية المهنية والوطنية تقتضي من العاملين منح الحوار والتفاوض الفرصة الكافية للوصول إلى حلول متوازنة تحفظ الحقوق وتصون استقرار المؤسسة.
كما يحذر المركز من الانسياق وراء مثيري الفتن وأصحاب الأجندات الخاصة الذين يسعون إلى استغلال حالة الاحتقان لتحقيق مكاسب شخصية أو تصفية حسابات لا تخدم العاملين ولا الشركة ولا قطاع الطيران المدني السوداني.
وبين الممكن والمستحيل تبقى الحكمة في اختيار ما يمكن إنجازه اليوم، مع وضع رؤية واضحة لتحقيق بقية المطالب غداً. فإعادة بناء قطاع المطارات بعد الحرب مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود وتوحيد الصفوف، لأن الإنسان سيظل الثروة الحقيقية والأصل الأهم الذي تقوم عليه الشركة، وبدونه لن تكتمل مسيرة التعافي وإعادة البناء، ولن تستعيد المؤسسة عافيتها أو يستعيد العاملون حقوقهم وثقتهم في مستقبلهم المهني.
