عمر الدوش: الإنسان الذي علّمنا الإصغاء للحياة
أبشر حسين
في مساري الحياتى والفكري، التقيت بكثيرين، تركوا أثرًا فى اعماقى منهم الاستاذ عمر الطيب الدوش. لم يكن شاعرًا بالمعنى التقليدي، ولا مثقفًا يكتفي بإنتاج النص، بل كان فلتةً من فلتات الزمان، قادرًا على إشعال فتيل الإبداع في أي لحظة، كأن الشرارة تسكنه ولا تنتظر سببًا.
أبشر حسين يكتب: حكاية ليلة في مسيد العارف بالله
كانت علاقتي به قوية وقريبة، ما أخذته عنه تجاوز حدود المسرح والنصوص. عرفته عن قرب، وعشت معه حكايات وذكريات، جمعتنا جلسات طويلة مع أنور ود الحوش وعمر سعد، حيث لم تكن الكلمة للزينة، بل للفهم، ولم يكن الحكي ترفًا، بل طريقةً للعيش.
كان عمر الدوش قمةً في العطاء والتجرد، يمتلك قدرة نادرة على الحكي، وعلى استنطاق الإبداع الكامن في الآخرين. كان يستخدم المفردة البسيطة الصعبة؛ تلك التي تبدو مألوفة، لكنها تنفذ مباشرة إلى العمق. لم يكن ذلك مصادفة، بل لأنه كان من القلائل الذين امتلكوا القدرة على جسّ نبض البسطاء والمهمشين، لا بوصفهم موضوعًا للكتابة، بل بوصفهم أصل الحكاية.
كان صارمًا جدًا تجاه كل ما يخدش حياء الحياة، شديد الحساسية تجاه الابتذال، ومحبًا لكل ما يتصل بالوجدان الإنساني. يمنح كل من يعرفه إحساسًا نادرًا بأنه صديقه الوحيد، لا مجاملةً ولا تصنّعًا، بل حضورًا صادقًا. كان شعلةً من العاطفة، وروحًا طفولية شفيفة، تجمع بين البراءة والوعي، وبين الحلم والانحياز الأخلاقي.
كانت له علاقة مميزة مع أمي «الشُّول»، وكان ينطق اسمها بتشديد الشين، ويقول عنها دائمًا: هذه المرأة لها قدرة على نشر الوعي وتفجير الدهشة في أحلك المواقف. قال ذلك ونحن نعمل في المويلح، زمن المجاعة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت الكلمة الصادقة تعادل الخبز، ويصبح الوعي شكلًا من أشكال النجاة.
يشبه عمر الدوش الشخصيات الأسطورية التي يصعب تصنيفها. لا تستطيع أن تحدد رقعة إبداعه بدقة: أهو في الشعر؟ أم في النقد؟ أم في الدراسات الإنسانية؟ أم حتى في تعليقاته العفوية التي كثيرًا ما كانت أعمق من نصوص مكتوبة بعناية؟ حضوره في جلساتنا كان أنيق الإحساس، جذابًا دون افتعال، وحين يبدأ في الحكي، يُمسك بالمستمع من داخله، مستخدمًا مفردات مستفزة بالمعنى النبيل، تشحذ المعرفة وتوقظ الأسئلة.
كان يمتلك أدوات تحليلية مدهشة، وقدرة نادرة على قراءة النصوص بظاهرها وباطنها، دون أن يقتل روحها. يعرف كيف ينتقد الفعل الإبداعي لا الشخص، وكيف يفتح أفقًا بدل أن يغلق بابًا. لم يكن النقد عنده هدمًا، بل شكلًا من أشكال الرعاية الفكرية.
وحين دخلتُ عالم الطب لاحقًا، أدركت أن كثيرًا مما شكّل وعيي المهني لم يأتِ من القاعات الدراسية وحدها، بل من أمثال عمر الدوش. علّمني كيف أنصت، وكيف أقرأ ما وراء الكلمات، وكيف أتعامل مع الإنسان لا بوصفه حالة سريرية، بل حكاية كاملة. كما كان يقرأ النصوص بوعيها الظاهري والباطني، تعلمت أن أقرأ المريض بما يظهر وبما يختبئ، وأن أرى الطب ممارسة أخلاقية قبل أن يكون تقنية علمية.
علّمني عمر الدوش كيف أحب الحياة بكل تناقضاتها، وكيف أرى الجمال في الهشاشة، والمعنى في التفاصيل الصغيرة. لم يكن ذكرى ثقافية عابرة، بل جزءًا خفيًا من تكويني الإنساني، ومن الطريقة التي نظرت بها إلى الإبداع، والعمل العام، والطب، والإنسان.
له عندي محبة خاصة وصادقة، لا تُختصر في كلمات، ولا تُمحى بغياب الجسد. كان إنسانًا جميلًا بحق الكلمة، وبقي كذلك في الذاكرة، حيًّا بما تركه من أثر، لا بما كُتب عنه.
له الرحمة والمغفرة
