تصوَّر كيف يكون الحال… لو ما كنت سودانيّ!

تصوَّر كيف يكون الحال… لو ما كنت سودانيّ!

عثمان ميرغني

لافتة مضيئة كبيرة أمام البوابة الجنوبية للقصر الجمهوري، مكتوب عليها:(ابتسمْ.. أمامك 365 يومًا لتستقبل السودان الجديد)
كل صباح يتغير الرقم بالعد التنازلي: 364.. 363..المارة والسائقون يحدّقون فيه، يخالجهم الأمل واللهفة والإشفاق، كأنهم يرددون قول شاعرنا الكبير الهادي آدم في رائعة “كوكب الشرق” لأم كلثوم:
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد
آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا

عثمان ميرغني يكتب: كم تبلغ قيمة الإنسان السوداني؟

الحكومة حين قررت نصب هذه اللافتة لم تقصد بيع “هواء الأمل” للمواطن، بل أرادت أن تشهر عقدا وعهدا يتيح للشعب أن يحاسبها بما تُنْجِز، لا بما تُعِدّ.

ما الذي يجب أن يراه المواطن عندما يصل الرقم إلى صفر؟
وفق الخطة الاستراتيجية للدولة، تُسمَّى هذه السنة المنصرمة “عام الاسترخاء”، أي إزالة التوتر، واستعادة الإحساس بالأمان (الفرق كبير بين الأمن والأمان). الأمان أن لا يظل المواطن خائفا يترقب انقطاع التيار الكهربائي في أية لحظة، ولا يخشى أن يفتح صنبور الماء فيسمع شخيره، ولا يسأل عن سعر سلعة فيرفع البائع حاجب الدهشة، ولا يمد يده إلى جيبه فتخرج بيضاء، ولا يذهب ابنه إلى المدرسة أو الجامعة فيُرَدّ لأسباب الرسوم.
لكن هذا ليس جوهر الخطة، بل المسار الجانبي؛ أشبه بطريق الخدمة الفرعي البطيء الذي يمر بجانب الطريق السريع.
الطريق الرئيسي للخطة الاستراتيجية يضع أقدام السودان على عتبات مرحلة جديدة كليا، تنخلع فيها أبواب قديمة صدئة ظلت مغلقة لعدم الاقتراب منها أو الطرق عليها.
لن تبدأ الأحلام الوطنية بكلمة “عدم”: عدم انقطاع الكهرباء، عدم غياب الخدمات، عدم تدهور البيئة، عدم غمر الشوارع بمياه الأمطار، عدم نقص الدواء…
بل ستبدأ بكلمة “أفضل”: أفضل تعليم، أفضل رعاية صحية، أفضل بيئة، أفضل طرق، أفضل طعام، أفضل إنسان.
في صباح أحد الأيام، سيسأل المواطن جاره وهما في طريقهما إلى العمل: (ماذا سيفتتحون اليوم من مشروعات؟) فيأتيه الرد: (لم يعد ممكنًا المتابعة.. الإيقاع أسرع من نبضات قلوبنا).

هذه ليست أضغاث أحلام.. هي الحقيقة لو استيقظنا، وقررنا، وأدركنا أننا نقدر.
بإذن الله.

#حديث_المدينة الأربعاء 17 يونيو 2026

Exit mobile version