هل أصبح العاملون ثمن البقاء في المنصب؟ قراءة تحليلية في سياسات التقشف بشركة مطارات السودان المحدودة
بقلم : مصطفى سليمان
في المؤسسات الرشيدة تُقاس كفاءة الإدارات بقدرتها على تحقيق التوازن بين المحافظة على الموارد المالية وصون حقوق العاملين، لأن العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية لأي مؤسسة تسعى إلى الاستمرار والتطور. أما عندما تتحول سياسات خفض الإنفاق إلى عبء يقع بالكامل على كاهل العاملين، فإن الأمر يتجاوز حدود إدارة الموارد ليصبح قضية تتعلق بالعدالة المؤسسية ومستقبل بيئة العمل.
مطالب منسوبي شركة مطارات السودان بين الممكن والمستحيل: نظرة وسط
وخلال الفترة الماضية تصاعدت أصوات العاملين بشركة مطارات السودان المحدودة احتجاجاً على ما يصفونه بسياسات تقشفية متشددة تجاوزت كونها إجراءات مالية مؤقتة، لتنعكس بصورة مباشرة على أوضاعهم المعيشية واستقرارهم الأسري. ويؤكد كثير من العاملين أن هذه السياسات لم تراعِ الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ولا حجم التحديات التي يواجهها الموظفون الذين واصلوا أداء واجباتهم رغم تداعيات الحرب وما فرضته من ضغوط معيشية ومهنية متزايدة.
ومن بين أبرز الإجراءات التي أثارت استياء العاملين إيقاف الخدمة العلاجية عن الموظفين وأسرهم، رغم استمرارها في مؤسسات أخرى لا تتمتع بطبيعة الإيرادات التي تتمتع بها شركة المطارات.
كما شملت الإجراءات تخفيض القوى العاملة بهدف تقليص الإعاشات المخصصة للمداومين، وهو ما ترتب عليه زيادة الضغط على العاملين المتبقين في مواقع العمل، في وقت تشهد فيه المطارات توسعاً ملحوظاً في الحركة التشغيلية ومتطلبات الخدمة.
وتتحدث إفادات متطابقة من داخل الشركة عن تقليص الإنفاق على بنود يعتبرها العاملون أساسية لاستمرار التشغيل وتوفير الحد الأدنى من بيئة العمل المناسبة. وتشمل هذه الإجراءات تقليص أو إيقاف حصص الوقود المخصصة لترحيل العاملين من وإلى مواقع العمل، وتقليل عدد المتحركات المستخدمة في الترحيل، فضلاً عن تراجع مستوى الوجبات المقدمة للعاملين في ظل ظروف تشغيلية استثنائية تتطلب دعماً أكبر لا مزيداً من التقشف.
ويرى العاملون أن هذه الإجراءات لم تستهدف بنوداً هامشية أو كمالية، بل مست احتياجات ترتبط مباشرة بالأداء الوظيفي والسلامة المهنية والاستقرار المعيشي، الأمر الذي انعكس سلباً على الروح المعنوية داخل المؤسسة.
وفي ظل هذا الواقع يبرز سؤال مشروع داخل أروقة الشركة:
هل تهدف هذه السياسات بالفعل إلى حماية المؤسسة وضمان استمراريتها المالية، أم أنها أصبحت وسيلة لإظهار أكبر قدر ممكن من الوفورات المالية بهدف تقديم صورة إدارية ناجحة أمام الجهات العليا، بما يعزز فرص الاستمرار والبقاء في مواقع القيادة؟
فالتوفير في حد ذاته لا يُعد إنجازاً إذا تحقق على حساب الإنسان. كما أن الإدارة الناجحة لا تُقاس فقط بحجم المصروفات التي خفضتها، وإنما بقدرتها على المحافظة على الكفاءات، ورفع الروح المعنوية للعاملين، وتحقيق الاستقرار الوظيفي داخل المؤسسة. فالأرقام وحدها لا تصنع النجاح، بل يصنعه العاملون الذين يقفون خلف تلك الأرقام.
وإذا كانت شركة مطارات السودان المحدودة تمر فعلاً بظروف استثنائية تستوجب ضبط الإنفاق وترشيده، فإن العدالة المؤسسية تقتضي توزيع أعباء تلك السياسات بصورة متوازنة على جميع مستويات المؤسسة، لا أن يتحول العاملون إلى الحلقة الأضعف والوسيلة الأسهل لتحقيق الوفورات المالية.
فالموظف الذي يواجه ضغوطاً معيشية متزايدة ويشعر بأن حقوقه تأتي في آخر سلم الأولويات لن يكون قادراً على تقديم أفضل ما لديه، مهما بلغت درجة التزامه وانتمائه للمؤسسة. كما أن بيئة العمل التي يسودها الشعور بالغبن والإحباط لا يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لتحقيق الاستقرار أو التطوير على المدى الطويل.
إن ما تشهده الشركة اليوم لا يتعلق فقط بمستحقات مالية أو امتيازات وظيفية، بل يمس فلسفة الإدارة نفسها. فهل تُدار المؤسسة من أجل الإنسان الذي يشغل مواقع العمل ويحافظ على استمرارية التشغيل في أصعب الظروف، أم من أجل تقارير مالية تحقق أرقاماً تبدو جيدة على الورق مهما كانت التكلفة الإنسانية؟
ويبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر العاملون في دفع فاتورة التقشف؟ وهل ستتم مراجعة هذه السياسات بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي وحقوق العاملين، أم سيستمر النهج الحالي بما قد يفاقم حالة الاحتقان داخل واحدة من أهم المؤسسات الاستراتيجية في قطاع الطيران المدني السوداني؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين الإدارة والعاملين، بل ستحدد أيضاً مستقبل المؤسسة نفسها؛ فالمؤسسات قد تستمر لبعض الوقت بالأموال، لكنها لا تستطيع الاستمرار طويلاً إذا فقدت ثقة ورضا من يقومون بتشغيلها كل يوم.
