سودافاكس ـ قرأت مقال الأستاذ حجازي بكري عثمان بعنوان “سودانير بين مطرقة التنظيم وسندان الهيمنة”، وهو مقال يثير عدداً من القضايا المهمة المتعلقة بعلاقة الخطوط الجوية السودانية بمؤسسات الطيران المدني المختلفة.
غير أن كثيراً مما ورد فيه يستوجب الوقوف عنده من باب التصويب والتوضيح، لا من باب الخصومة أو الجدل.
أولاً، من المهم تصحيح معلومة قانونية أساسية بُني عليها جزء معتبر من المقال.
فحتى تاريخه لا يوجد قانون نافذ ومجاز باسم “قانون الناقل الوطني” يمنح سودانير الحقوق والامتيازات التي أشار إليها الكاتب.
الموجود هو مشروع قانون ظل محل نقاش ودراسة ولم يكتسب بعد الصفة التشريعية الملزمة. وبالتالي فإن الاستناد إلى قانون غير مجاز للمطالبة بحقوق أو امتيازات محددة يظل استناداً يفتقر إلى السند القانوني اللازم.
أما وصف سودانير بأنها “الناقل الوطني”، فهو توصيف مؤسسي و سيادي نابع من ملكية حكومة السودان للشركة وكونها تمثل الدولة تاريخياً في مجال النقل الجوي، وليس وصفاً قانونياً يمنحها تلقائياً امتيازات مالية أو تنظيمية أو احتكارية خارج إطار القوانين واللوائح السارية. فالناقل الوطني في المفهوم الدولي لا يكتسب حقوقاً استثنائية إلا بموجب نصوص قانونية أو تعاقدية واضحة.
سودانير بين مطرقة التنظيم وسندان الهيمنة: هل تجاوزت شركة المطارات والطيران المدني حدود الاختصاص؟
إن الخلط بين مشروع قانون قيد التداول وقانون نافذ يمثل خطأً قانونياً جوهرياً، لأن الحقوق والالتزامات لا تنشأ بالمسودات أو التمنيات، وإنما بالتشريعات المجازة والمنشورة وفق الأصول القانونية المعروفة.
أما إذا كان معيار الحكم على المؤسسات هو الأداء والنتائج والاستدامة الاقتصادية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بوضوح هو: من أولى بالمراجعة والمحاسبة، شركة المطارات أم شركة الخطوط الجوية السودانية؟
لا أحد ينكر المكانة التاريخية لسودانير ولا رمزيتها الوطنية، فهي جزء أصيل من ذاكرة السودان وواحدة من أعرق شركات الطيران في المنطقة.
لكن الرمزية وحدها لا تكفي لتقييم الأداء المؤسسي.
فشركة المطارات، رغم ما يمكن أن يؤخذ عليها من ملاحظات أو أخطاء إدارية، ظلت تدير وتشغل المطارات السودانية وتوفر خدمات الملاحة والاستقبال والمغادرة والبنية التشغيلية التي تعتمد عليها جميع شركات الطيران دون استثناء، كما ظلت تحقق إيرادات من الأنشطة المرتبطة بتشغيل المطارات.
في المقابل، فإن سودانير ظلت لعقود طويلة تعاني من التراجع المستمر في حجم الأسطول والشبكة التشغيلية والحصة السوقية، حتى أصبحت شركات أخرى تنقل من وإلى السودان أضعاف ما تنقله الشركة الوطنية نفسها.
إن الأزمة الحقيقية لسودانير لم تبدأ مع شركة المطارات، ولم تصنعها سلطة الطيران المدني، بل هي نتاج سنوات طويلة من ضعف الإدارة، وغياب الرؤية الاستراتيجية، وعدم الاستقرار المؤسسي، وتدخلات سياسية متعاقبة أضعفت قدرة الشركة على المنافسة.
كما أن الحديث عن الرسوم أو الامتيازات أو الحقوق التاريخية لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: ماذا قدمت الإدارات المتعاقبة لسودانير للحفاظ على هذه المؤسسة العريقة؟ وأين ذهبت الفرص التي أتيحت لها عبر العقود الماضية؟ ولماذا نجحت شركات وطنية في دول أفريقية شقيقة في التحول إلى نماذج نجاح عالمية بينما استمرت سودانير في دائرة التراجع؟
إن المصلحة الوطنية لا تتحقق بالدخول في صراع بين مؤسسات القطاع، ولا بتصوير شركة المطارات كأنها أصل المشكلة. فالسودان يحتاج إلى سلطة طيران مدني قوية ومستقلة، وشركة مطارات كفؤة و قادرة على إدارة البنية التحتية، وناقل وطني محترف وقادر على المنافسة.
أما الدعوة الضمنية إلى تصفية شركة المطارات أو تحميلها مسؤولية إخفاقات تراكمت لعقود، فهي لا تختلف كثيراً عن معالجة المرض بهدم المستشفى.
إن المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل إخضاع جميع مؤسسات القطاع للمراجعة والمحاسبة والشفافية، ونشر الميزانيات والتقارير المالية، وتمكين الرأي العام من معرفة الحقائق بعيداً عن المزايدات و الشعارات.
فإن كانت هناك جهة تستحق المساءلة، فهي كل مؤسسة استنزفت المال العام دون أن تحقق الأهداف التي أنشئت من أجلها، بغض النظر عن اسمها أو تاريخها أو مكانتها الرمزية.
القضية ليست من ينتصر على من، ولا من يغلب من، وإنما كيف يستعيد قطاع الطيران السوداني عافيته ومكانته.
فالوطن يحتاج إلى شركة مطارات قوية، وسلطة تنظيمية مستقلة، و ناقل وطني ناجح. وما عدا ذلك ليس سوى معارك جانبية لا تخدم مستقبل الطيران السوداني.
والله من وراء القصد.
طيران بلدنا
