الناقل الوطني أم المنظم الوطني؟ …قراءة قانونية في الجدل حول ما يسمى «بقانون الناقل الوطني»

سودافاكس – في كل مرة يُثار فيها النقاش حول مستقبل الخطوط الجوية السودانية، يظهر خطاب متكرر يدعو إلى حماية «الناقل الوطني»، ثم يتدرج – عند بعض الطروحات – إلى الحديث عن وجود أو ضرورة وجود «قانون للناقل الوطني» يمنح شركة بعينها وضعًا قانونيًا خاصًا داخل قطاع الطيران المدني.

ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال من دائرة الشعارات إلى دائرة النصوص، ومن الانطباعات إلى المبادئ القانونية الحاكمة للقطاع.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه:

هل يوجد أصلًا قانون نافذ تحت مسمى «قانون الناقل الوطني»؟

وإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فأين النص المجاز والمنشور وفق الإجراءات الدستورية المعتمدة؟

أما إذا كان المقصود مجرد الدعوة السياسية أو المؤسسية إلى دعم الخطوط الجوية السودانية، فذلك موضوع مختلف قانونًا ولا يترتب عليه إنشاء مركز تشريعي استثنائي.

ذلك أن وصف شركة بأنها «الناقل الوطني» لا يُنشئ بذاته مركزًا قانونيًا سياديًا أو تنظيميًا، ولا ينقل إليها اختصاصات الدولة أو سلطتها على القطاع.

فهناك فارق جوهري لا يجوز تجاوزه:

الناقل الجوي شركة تشغيل.
وسلطة الطيران المدني جهة تنظيم.

الأولى تعمل داخل السوق.
والثانية تنظم السوق.

وهذا ليس ترتيبًا إداريًا محليًا، وإنما من المبادئ التي استقر عليها تنظيم الطيران المدني دوليًا.

فبموجب اتفاقية الطيران المدني الدولي (اتفاقية شيكاغو 1944)، التزمت الدول المتعاقدة بالسعي إلى توحيد قواعد وإجراءات الطيران المدني لضمان الاتساق والسلامة الدولية. كما أوجبت الاتفاقية على الدول الإبلاغ عن أي اختلافات بين تشريعاتها الوطنية والمعايير الدولية المعتمدة.

ومعنى ذلك أن المسؤول أمام المجتمع الدولي ليس شركة النقل الجوي، وإنما الدولة من خلال سلطتها المختصة بالطيران المدني.

وهنا تظهر الإشكالية التي يجب مواجهتها بصراحة.

إذا صدر قانون يمنح شركة نقل جوي امتيازات تجعلها مؤثرة على منح التراخيص، أو توزيع الحقوق الجوية، أو تحديد فرص الدخول إلى السوق، أو حماية قانونية من المنافسة، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بحماية شركة وطنية، بل يصبح متعلقًا بمن ينظم قطاع الطيران أصلًا.

هل سلطة الطيران المدني هي المرجعية التنظيمية الوحيدة؟

أم أن هناك جهة أخرى نشأت بحكم القانون وتمارس اختصاصًا موازيًا؟

إذا بقي التنظيم بيد السلطة المختصة، فلا حاجة لتشريع استثنائي.

أما إذا انتقلت آثار التنظيم إلى شركة التشغيل – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – فإننا نكون أمام تضارب مؤسسي يهدد وحدة المرجعية القانونية للدولة.

وهذا التضارب لا يقف عند حدود النظرية.

فعلى المستوى المحلي، قد يؤدي منح وضع استثنائي لناقل بعينه إلى خلق احتكار فعلي أو قانوني، وتقليص فرص المنافسة العادلة، وإضعاف فرص دخول شركات أخرى للسوق.

وعلى المستوى الدولي، قد ينعكس ذلك على قدرة الدولة على إدارة التزاماتها الدولية وتنفيذ اتفاقيات النقل الجوي بكفاءة واستقلال.

أما على مستوى الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، فإن الأصل أن الدولة – عبر سلطتها المختصة – تحتفظ بحق تعيين ناقل أو أكثر للاستفادة من الحقوق الجوية وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.

أما تقييد هذا الحق مسبقًا أو عمليًا لصالح جهة بعينها، فهو أمر يحد من مرونة الدولة التفاوضية ويقيد خياراتها المستقبلية.

ولذلك يجب التفريق بوضوح بين أمرين:

دعم الخطوط الجوية السودانية باعتبارها شركة وطنية ورمزًا اقتصاديًا وتاريخيًا؛ وهذا أمر مشروع.

أما إنشاء مركز قانوني يجعلها فوق أو خارج أو موازية للإطار التنظيمي للدولة؛ فهذا موضوع مختلف تمامًا يحتاج إلى سند تشريعي واضح، ويستوجب تقييم آثاره القانونية والمؤسسية والدولية.

الخطوط الجوية السودانية لا تحتاج سلطة تنظيمية حتى تنجح.

ولا تحتاج حصانة قانونية من السوق حتى تستمر.

تحتاج إدارة، وتمويلًا، وبيئة تنافسية عادلة، وحوكمة، ورؤية تشغيلية.

كما أن الدولة لا تُقاس بعدد الامتيازات التي تمنحها لشركاتها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الفصل بين من يضع القواعد ومن يعمل بموجبها.

وفي الطيران كما في القانون، تبدأ المشكلات عندما يختلط دور المشغّل بدور المنظم.

غير أن هذا الملف لا ينتهي عند حدود الجدل حول مفهوم «الناقل الوطني» أو حدود العلاقة بين المشغّل والمنظم.

فهناك ملفات أخرى لا تقل أهمية، وعلى رأسها ملف الرسوم السيادية (Royalty)، وما إذا كانت تستند إلى أساس قانوني وتنظيمي واضح، وما إذا كانت تمثل مقابلاً مشروعًا لخدمة أو امتياز أو مورداً سيادياً، أم تتحول عمليًا إلى تكلفة إضافية تؤثر على المنافسة وكفاءة سوق النقل الجوي.

كما يثور التساؤل حول أثر هذه الرسوم على الناقل الوطني وغيره من المشغلين، وعلى فلسفة تنظيم القطاع أصلًا، ومدى اتساقها مع أهداف الدولة في بناء سوق نقل جوي مفتوح وتنافسي.

وهو ملف يستحق وقفة مستقلة.

ولنا عودة.

مراجع قانونية للاستئناس:
– اتفاقية الطيران المدني الدولي (شيكاغو 1944).
– المادة 37: توحيد القواعد والمعايير والإجراءات.
– المادة 38: الإبلاغ عن الاختلافات التشريعية.
– المعايير والتوصيات الدولية الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO SARPs).
– مبادئ الفصل المؤسسي بين الجهة المنظمة والجهة المشغلة في حوكمة قطاع الطيران المدني.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.